بينما حاول جدي ان يضربني بقلم زيزي
بينما حاول جدي أن يضربني للمرة الثالثة، دفعتُه بقوة داخل الغرفة. كنت في حالة من الرعب والارتباك، ولم أعد أستوعب ما يحدث حولي. كل ما كنت أفكر فيه هو الهروب فقط.
أخي الأصغر كان قد حذرني من قبل أن ما يحدث ليس صحيحًا، رغم أنه لم يكن يفهم كل التفاصيل، لكن كلماته بقيت عالقة في ذهني.
خرجت من الغرفة أركض بلا اتجاه، أبحث عن أي مكان أشعر فيه بالأمان. لم أكن أعرف إلى أين أذهب، فقط كنت أهرب.
لم أستطع أن أشرح لأي أحد في القرية ما أمر به، فالجميع كان صامتًا وكأن شيئًا لا يحدث. فبقيت أحمل كل شيء بداخلي وحدي.
أثناء سيري، أوقفني رجل لا أعرفه، ظن في البداية أنني هاربة من شيء خاطئ. سألني: "إلى أين تذهبين بهذه السرعة؟"
سكتُّ للحظة، ثم قلت بصوت متقطع: "أنا لا أستطيع العودة… لا أحد يمكنه مساعدتي."
جلسنا قليلًا، وهناك بدأت أتكلم. كنت أتكلم وأنا أبكي، وهو يستمع بذهول واضح.
قال لي: "هذا ليس طبيعيًا… يجب أن يتم إيقافه."
حاولت أن أشرح له أن الأمر مرتبط بما تربيت عليه، لكنه رفض الفكرة تمامًا وقال: "لا يوجد أي شيء يبرر الأذى. هذا خطأ ويجب أن يتوقف."
أصرّ على أن أذهب معه لإبلاغ الجهات المختصة، وقال إنني بحاجة إلى الحماية.
كنت خائفة ولا أثق بأحد، لكني شعرت أن هذه المرة هناك من يستمع لي بجدية.
بعد ذلك وصلت الشرطة، وبدأت أحكي ما مررت به. كان الكلام صعبًا، لكني كنت بحاجة أن أخرجه.
بدأ التحقيق، وظهرت الحقيقة
كنت واقفة أراقب من بعيد، جسدي يرتجف، لكن لأول مرة لم أهرب.
تم اتخاذ الإجراءات، ونُقلت إلى مكان آمن بعيدًا عن البيت، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياتي في دار رعاية مع فتيات مررن بتجارب مشابهة.
في البداية كان كل شيء صعبًا، لكن مع الوقت بدأت أستعيد نفسي شيئًا فشيئًا.
ومرت السنوات…
تعلمت أن ما كنت أعيشه لم يكن طبيعيًا، وأن الصمت لا يحمي أحدًا.
وفي النهاية وقفت أتكلم عن قصتي، ليس كضحية، بل كشخص نجا.
وعندما سُئلت: "ما الذي غيّر حياتك؟" أجبت: "أنني توقفت عن الخوف، وبدأت أصدق نفسي."مرّت الأيام في دار الرعاية بشكل بطيء في البداية… كل حاجة كانت جديدة عليا: النظام، الناس، وحتى فكرة إن في حد بيسألني أنا محتاجة إيه.
كنت دايمًا ساكتة، أقعد في ركن بعيد وأبص حواليا بحذر، كأني مستنية أي حاجة ترجع تخليني أهرب تاني.
بس مع الوقت… بدأت ألاحظ إن البنات اللي معايا شبهّي، كل واحدة شايلة حكاية تقيلة، وكل واحدة بتتعلم تبدأ من جديد بطريقتها.
في يوم من الأيام، الأخصائية نادت اسمي: "تعالي يا فيفيان، عايزين نتكلم شوية."
دخلت وقعدت، وكنت متوترة كالعادة.
قالت بهدوء: "إنتِ مش لازم تعيشي طول حياتك في خوف… إنتِ ممكن تبني حياة جديدة."
ضحكت بسخرية خفيفة من جوايا: "حياة جديدة؟ بعد كل اللي حصل؟"
هزّت راسها وقالت: "أيوه… لأن اللي فات مش هيتغير، بس اللي جاي تقدري تغيّريه."
الكلام ده فضل عالق
بدأوا يدخلوني ورش بسيطة: تعليم، رسم، كلام عن المستقبل… كنت بعمل كل حاجة وأنا مش مقتنعة، لكن على الأقل بقيت بتحرك.
مرة واحدة، لقيت نفسي برسم. مش رسم احترافي، بس حاجة طالعة من جوايا… بيت، وباب مفتوح، وبنت واقفة قدامه.
سألتني المشرفة: "ده إيه؟"
قلت وأنا مستغربة نفسي: "مش عارفة… بس يمكن ده أنا."
ابتسمت وقالت: "يمكن ده أول طريقك."
بعد شهور، بقيت أشارك في جلسات مع بنات أصغر مني، أحكي لهم تجربتي… مش عشان أوجع نفسي، لكن عشان أقولهم إن الصمت مش حل.
وفي مرة، سألتني بنت صغيرة: "هو إحنا هنقدر نعيش حياة طبيعية؟"
سكت لحظة، وبعدين قلت: "أيوه… بس لما نصدق إننا نستاهلها."
عدت سنين…
كبرت، اتعلمت، واشتغلت. وبقيت أقدر أقف على رجلي من غير ما أحس إني خايفة من كل خطوة.
وفي يوم، وقفت قدام نفس المكان اللي بدأ منه كل شيء… مش كضحية، لكن كشخص مختلف تمامًا.
وسألتني صحفية: "لو رجع بيكي الزمن، هتعملي إيه؟"
ابتسمت وقلت: "هختار إني ما أسكتش… من الأول."
وسكتت لحظة، وبعدين كملت: "لأن السكوت هو اللي كان بيخلّي الألم يكبر."بعد المقابلة دي، حسّيت إن حاجة جوايا اتقفلت على الماضي… ومفتاح جديد اتفتح قدام مستقبل لسه ماعرفش شكله.
رجعت الدار آخر اليوم، وقعدت على السرير ساكتة. المرة دي السكون كان مختلف… مش خوف، لكن تفكير.
البنات حواليّا كانوا بيضحكوا وبيتكلموا، وأنا لأول مرة ماحسّيتش إني بره الصورة.
الأخصائية
سألتها باستغراب: "أنا؟ أطلع أشتغل؟"
ابتسمت: "أيوه… ليه لأ؟ إنتِ بقيتي أقوى مما إنتِ فاكرة."
الفكرة في الأول خوفتني. إني أخرج للعالم تاني؟ أواجه ناس؟ أتعامل مع حياة طبيعية؟
لكن مع الوقت… الخوف بدأ يخف.
بدأت تدريب في مكتبة صغيرة في المدينة. أول يوم كنت متوترة جدًا، إيدي بتترعش وأنا بترتب الكتب.
لكن صاحبة المكان كانت طيبة، قالتلي: "خدي وقتك… مفيش حد مستعجل عليكِ."
الكلمة دي خلتني أتنفس.
الأيام عدّت، وبقيت أعرف أماكن الكتب، وأساعد الناس، وأرد على أسئلتهم.
وكل مرة كنت بعمل حاجة صح، كنت بحس إن جزء صغير مني بيرجع للحياة.
في يوم، طفل صغير دخل المكتبة وسألني: "هو ممكن أكون عايز أبقى كاتب لما أكبر؟"
ابتسمت وقلت له: "ممكن جدًا… أهم حاجة تحكي اللي جواك."
وساعتها حسّيت إن دا مش بس شغل… ده معنى جديد لوجودي.
بعد فترة، رجعت الدار أزور البنات اللي لسه هناك.
لما شافوني، واحدة فيهم جريت حضنتني وقالت: "إنتِ بقيتي مختلفة… كأنك خرجتي من حاجة كبيرة."
ابتسمت وقلت: "إحنا كلنا بنخرج… بس في وقت مختلف."
وفي طريق الرجوع، وقفت قدام الباب الحديدي الكبير بتاع الدار.
بصيت له… ومشيت.
مش لأن الباب اتقفل ورايا، لكن لأنني أنا اللي بقيت قادرة أفتحه لو حبيت… أو أسيبه ورايا للأبد.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة:
إن الحياة مش بتبدأ لما