شر الحما وبنتها ل الهواري
اشتغلت خمس سنين برّه البلد عشان أوفّر لمراتي وأبويا الكبير حياة كويسة. كنت بصحى قبل الشمس، وأرجع بعد ما تغيب، أتحمّل حرّ الدنيا وضغط الشغل وأنا راضي، بس عشان في آخر اليوم أفتكر إن فيه بيت مستنيني، فيه أب طيب ومرات وعدتني إنها تصونه. كل شهر كنت ببعت 100 ألف جنيه من غير ما أتأخر يوم، وكنت بتخيلهم عايشين مرتاحين، أبويا قاعد في جنينة الفيلا اللي بنيتها بإيدي، ومراتي بتخدمه بحب واحترام زي ما وعدتني. كنت مغفّل… مغفّل وقلبي أعمى.
أنا ياسين، عندي 35 سنة، وكل اللي عملته في حياتي كان عشانهم. قبل ما أسافر، مسكت إيد مراتي فالين وقلت لها: "أبويا أمانة في رقبتك." بصتلي بعينين مليانين دموع وقالت: "ده هيبقى ملك، ده على راسي من فوق." ساعتها صدقتها… صدقتها أكتر من نفسي. حتى لما كنت بكلمها فيديو، وكانت دايمًا تقول لي "أبوك نايم" أو "أبوك تعبان"، كنت بصدق، ولما كنت أشوفه ساكت ومش بيتكلم كتير، كنت بقول ده كِبر سن… ماكنتش أعرف إن السكوت ده كان ذلّ بيتاكل جواه.
رجوعي كان قبل معاده بشهر. قلت
أول ما دخلت، سمعت مزيكا عالية وضحك، وريحه أكل فخم ماليه المكان. الشنط وقعت من إيدي لما عيني وقعت عليه… أبويا… العم رجب… راجل كان بيشيلني على كتفه وأنا صغير… دلوقتي راكع على الأرض، هدومه مقطعة، إيده بترتعش وهو بيمسح الأرض بخرقة قديمة، ودموعه بتنزل في صمت. قدامه على الكنبة، مراتي وأمها نظيرة قاعدين زي الملكات، لابسين حرير، دهبهم يلمع، وفناجين القهوة في إيديهم وكأنهم في قصر.
وفجأة سمعت صوت فالين بيخبط في وداني: "أخلص يا راجل يا كركوبة! امسح كويس، صحباتي جاية، مش ناقصين فضايح!" وضحكة أمها كانت أسوأ: "سيبك منه، ده بيستهبل عشان يهرب من الشغل… كمل يا راجل!"
في اللحظة دي… حاجة جوايا اتكسرت للأبد. ما صرختش… ما اندفعتش… سكت… بس السكوت ده كان أهدى من العاصفة اللي جاية.
قلت بهدوء مخيف: "كمّلي كلامك… ليه سكتي؟"
أبويا رفع عينه وبصلي… النظرة دي أنا عمري ما هنساها. كانت مليانة صدمة وخوف وأمل في نفس الوقت. حاول يقوم، بس جسمه ما ساعدوش.
فالين قامت بسرعة وقالت بتلجلج: "يا… يا ياسين! إنت… إنت جيت امتى؟ إحنا كنا بس…"
قاطعتها وأنا برفع إيدي: "ولا كلمة." وبصيت لأبويا وقلت له بصوت هادي: "قوم يا حاج… قوم اقعد مكانك." جريت عليه وسندته بإيدي، حسيت بعظامه كأنها هتكسر في إيدي. قعدته على الكنبة… نفس الكنبة اللي كانوا قاعدين عليها.
بصيت لفالين وأمها وقلت: "من النهاردة… القواعد اتغيرت."
بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة. فتحت الحسابات، اكتشفت إن ولا جنيه من الفلوس اللي كنت ببعتها اتصرف على أبويا. كانوا بيصرفوا على نفسهم، على سهرات، على هدوم، على ناس مالهاش أي لازمة، وأبويا كانوا مخلينه خدام في بيته. خدام في بيتي أنا.
في نفس الليلة، طلبت المحامي.
بس المفاجأة الحقيقية كانت من أبويا. بعد ما كل حاجة خلصت، قعد جنبي وقال لي بصوت ضعيف: "أنا كنت عارف يا ابني… بس ما كنتش عايز أقولك… كنت خايف أهدّ اللي بتبنيه." الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
من يومها، حياتي اتغيرت. ما بقيتش بس ابن بيشتغل عشان فلوس… بقيت ابن بيحمي أبوه، وبيعوضه عن كل لحظة ذل عاشها. رجعت أبني حياتي من جديد، بس المرة دي… وأنا شايف الحقيقة بعيني.
والحب؟ الحب اللي كان جوايا مات فعلاً… بس يمكن ده كان لازم يحصل، عشان أتعلم إن مش كل اللي ندي له قلبنا يستاهله… وإن أغلى حاجة في الدنيا مش الفلوس ولا البيوت… أغلى حاجة هي الكرامة… وكرامة الأب بالذات، خط أحمر.
بعد اللي حصل، كنت فاكر إن القصة خلصت… إن طرد فالين وأمها ورجوع كرامة أبويا كفاية عشان أقفل الصفحة دي من حياتي. بس الحقيقة؟ ده كان مجرد