فتاة ماتت وهي تقول لأبيها أنها مظلومة
في بيت بسيط وسط عائلة محافظة تحب السمعة الطيبة وتخاف من كلام الناس عاشت رهف بنت طيبة خجولة كل اللي يعرفها يشهد لها بالحياء والخلق.
كانت رهف بعمر الورد في أوائل العشرينات تحب تساعد أمها في كل شي وتضحك دايما بصوت خافت وكأنها ما تحب تاخذ حيز حتى من الضحك.
في يوم بدت تشعر بألم بسيط في بطنها.
قالت لأمها
يمه بطني يعورني شوي أحس بشي مو طبيعي.
الأم قالت لها بلطف
يمكن مغص بنتي اشربي شاي كمون وارتاحي.
فعلا شربت ونامت لكن الليل ما مر بسلام
اليوم الثاني الألم زاد وصار واضح بوجهها التعب.
صارت تمشي بصعوبة ووجهها شاحب عيونها فيها دموع من غير بكاء.
الأم بدأت تقلق والأب قرر ياخذها لأقرب طبيب.
انتفاخ البطن وبعض الأعراض توحي بذلك الأفضل تعملوا فحص شامل.
رجعوا للبيت بس ما كان نفس الرجعة.
بطني يعورني
بعد كم ساعة ما عادت تقدر توقف.
نزل ضغطها ووجهها صار أبيض مثل الورق ورجليها ما تقدر تشيلها.
هنا بس خافوا وخذوها للمستشفى.
دخلت الطوارئ وبدأت الفحوصات بسرعة
النتائج كانت مفاجأة للجميع.
الدكتور قال لأهلها
البنت عندها التهاب حاد في الزائدة وحالتها حرجة جدا كأنها تعاني من أيام وفي مضاعفات قوية.
الأب وقف مذهول.
الدكتور هز راسه وقال. الموضوع التهاب داخلي وتأخر العلاج سبب خطير.
حاولوا يتداركون الوقت دخلوها غرفة العمليات لكن القصة كانت توصل نهايتها.
دخلت رهف غرفة العمليات بصعوبة وعيونها تدمع مو بس من الألم من شي أكبر
دخلت رهف غرفة العمليات
وبعد أقل من ساعة خرج الطبيب ووجهه حزين.
قال للأب
آسف جسمها ما تحمل وانتشر وتأخرتوا كثير.
الأب سقط على الكرسي والإخوان واقفين بحالة ذهول
كل واحد يتذكر آخر كلمة قالها لها آخر نظرة آخر لحظة تجاهل فيها دمعتها.
البيت انقلب صمت كل نفس صار ثقيل
كأن كل زاوية فيه تصرخ ليه ما صدقتوها!
في ثاني يوم خرجوا بجثمان رهف.
بس كانت جنازة مختلفة ما كان فيها بس حزن كان فيها ذنب خجل كسرة ما تنوصف.
الناس حضروا الجيران الأقارب وكل من سمع بالقصة
حتى اللي ما يعرفها حضر عشان يقول رحمة الله عليها
بعد أيام جلس الأب في غرفة رهف
وشاف دفتر صغير كانت تكتب فيه ملاحظاتها.
بين الصفحات لقى ورقة صغيرة مكتوب فيها
يارب إذا ظلموني بين لهم الحقيقة بس سامحهم لأنهم أهلي.
بكى الأب بكاء ما بكى زيه طول عمره.
مسك ورقة ثانية وكتب فيها
بنتي سامحيني كنت مفروض أكون سندك بس صرت أول من ظلمك.
حط الورقة عند رأس
قصة رهف انتشرت والناس صاروا يتكلمون عنها في كل مكان
في مواقع التواصل
في المدارس
في المساجد
في المجالس العائلية
القصة خلت كثير من الناس يراجعون أنفسهم
صارت قصة رهف درس لكل أم وأب لكل أخ وأخت
اسمع افهم تأكد وخل قلبك أحن من الناس.
رهف راحت بس كلماتها ما راحت
جرس إنذار لكل بيت
صدى في ضمير كل أب وأم
رسالة ما تموت لأنها صادرة من قلب مكسور مات مظلوم
في حياة كل إنسان لحظة واحدة كفيلة إنها تغير مصيره
لحظة يسمع فيها تهمة أو يساء فهمه أو ينكسر قلبه من أقرب الناس إليه.
قصة رهف مو مجرد مأساة بنت مريضة ما لحقوا يعالجوها
ولا مجرد خطأ طبي أو تأخير في المستشفى
قصة رهف أعمق بكثير هي قصة ظلم
رهف ما كانت تحلم بشي أكثر من أنها تكون بنت طيبة في عين أبوها
ما كانت تتمنى منصب ولا مال ولا شهرة
بس كل اللي كانت تبغاه كلمة تصدقها
لكن لما جاء الألم
انقلب البيت اللي كان أمان
وانقلب أهلها اللي كان من المفترض أنهم سند
وكل هذا من غير محكمة من غير شهود ومن غير فرصة للدفاع.
العبرة إننا نعيش اليوم
نصرخ قبل ما نفكر
نسكت البنت لأنها ما لازم ترد ونبقي صوتنا الأعلى
لكن للأسف الحقيقة ما لها صوت أحيانا إلا بعد فوات الأوان.
وجعلت من موتها شهادة حية على أن الظلم أحيانا يجي من أقرب الناس وأن أكثر القلوب اللي تنكسر تنكسر في البيوت.
ما أقسى قلب الأب إذا نسي الرحمة
وما أقسى قلب الأخ إذا فقد الحنان
وما أقسى العائلة إذا صارت هي الخصم والحكم في وقت المفروض تكون فيه الحضن والملاذ.
ما أصعب إنك تموت وأنت مظلوم
لكن الأصعب إنك تموت وما حد صدقك
هذه القصة ما لازم تنكتب وتنتهي.
لازم تبقى علامة حمراء في وجه كل من يظن ويتهم ويعاقب قبل ما يسمع.
لازم تبقى صوت لكل بنت خافت تحچي ولكل ضحية ما لقت من يسمعها
السمعة الحقيقية في الحنان في الرحمة
في الكلمة الطيبة اللي تداوي مو الكلمة اللي تقتل.
وإن بعض الصمت أقسى
وإن بعض التصرفات حتى لو بدون قصد تودي بحياة إنسانة وتترك وراها نار ما تنطفي.
رهف ماتت بس رسالتها ما ماتت.
رسالة تقول الألم أهون من الظلم والسكوت ما يعني الذنب.
فخلي صوت رهف يكون صوت كل فتاة خافت كل بنت سكتت كل إنسانة لأنها ما قدرت تشرح
وخلي القصة تكون درس لكل بيت ولكل أب ولكل أم ولكل من ظن السوء قبل ما يسمع الخير.
والله إني مظلومة
بس لازم تكون أول كلماتنا كل ما نبدأ نحكم على غيرنا بدون ما نعرف الحقيقة.