المعلمة الملهمة

لمحة نيوز

المعلّمة التي غيّرت القدر

في صباحٍ باردٍ من أيام الخريف، كانت قرية “الوديان” الصغيرة تستيقظ ببطء على ضوء الشمس الذهبي المتسلّل من بين أشجار الزيتون القديمة. كانت الأجراس تدقّ في مدرسة “النور”، إيذانًا ببدء يومٍ دراسيّ جديد.
وفي ذلك اليوم تحديدًا، لم يكن أحد يعلم أن حدثًا بسيطًا سيُغيّر مصير إنسانٍ إلى الأبد.

دخلت إلى المدرسة معلمة جديدة تُدعى رنا الطيب، امرأة في منتصف الثلاثينيات، ملامحها هادئة، وعيناها تحملان ذلك البريق الغامض الذي يجمع بين الصرامة والحنان. كانت قد جاءت لتحلّ محلّ معلمة غابت لإجازة طويلة.

خطت نحو الصف الثامن بخطواتٍ ثابتة، ودخلت لتجد ثلاثين طالبًا يحدّقون بها بفضول.
قالت بابتسامة خفيفة:
صباح الخير يا أبنائي، اسمي رنا، وسأكون معكم هذا الفصل بدلًا من معلمتكم السابقة.
ردّوا بصوتٍ متباين:
صباح الخير يا أستاذة.

بدأت تشرح الدرس الأول في الأدب العربي، وكان موضوعه عن “الإصرار على النجاح رغم الصعاب”. وبعد دقائق من الشرح، رفعت رأسها وسألت:
من منكم يستطيع أن يشرح لي معنى كلمة العزيمة؟

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تشير بعينيها نحو أحد الطلاب الجالسين في آخر الصف، كان صبيًا نحيل الجسد، شعره مبعثر، وعيناه خجولتان كعصفورٍ جريح.
قالت:
أنت يا بني... ما اسمك؟
أجاب

بتردد:
اسمي سامر، يا أستاذة.
ابتسمت وقالت بلطف:
جميل يا سامر، هل تعرف معنى كلمة العزيمة؟

وقبل أن ينطق، انفجر الصف ضاحكًا.
ضحك بعضهم بصوتٍ عالٍ حتى كادوا يسقطون من مقاعدهم، بينما تبادل آخرون نظراتٍ مليئة بالتهكم.
تجمّد سامر في مكانه، وانحنى رأسه خجلًا، فيما وقفت رنا في حيرة، تتساءل في داخلها عن سبب هذه الضحكات السخيفة.

قالت بصرامة هادئة:
كفى يا طلاب، لا أرى في كلامي ما يدعو إلى الضحك.
لكنّ نظرات العيون الخبيثة أوضحت لها الحقيقة سريعًا... لقد كانوا يسخرون من سامر، ذاك الفتى الذي اشتهر بين طلاب المدرسة بلقب “الغبي”.

في نهاية الحصة، وبينما غادر الطلاب، نادت عليه قائلة:
توقّف يا سامر، أريدك للحظة.

اقترب منها بخطواتٍ مترددة. كان يتوقع التوبيخ، لكن صوتها كان دافئًا كنسمة المساء.
قالت وهي تخرج ورقة صغيرة من دفترها:
اسمع يا بني، أريدك أن تحفظ هذا البيت من الشعر حفظًا تامًا، تمامًا كما تحفظ اسمك. لا تخبر أحدًا بالأمر، فقط افعل ما أطلبه منك.
ناولته الورقة بابتسامةٍ واثقة. نظر إليها وقرأ بخفوت:

> “وإذا كانت النفوس كبارًا، تعبت في مرادها الأجسامُ.”

نظر إليها متعجبًا وقال:
ولماذا أختار هذا البيت أنا؟
ابتسمت وهي تضع يدها على كتفه:
لأنني أرى فيك نفسًا كبيرة يا سامر، حتى وإن

لم ترها أنت بعد.

خرج سامر من الصف ويده ترتجف، كانت تلك المرة الأولى في حياته التي يناديه فيها أحد بـ“يا بني” بهذه الرقة.

في اليوم التالي، دخلت رنا الفصل بخطواتٍ هادئة، وكتبت على السبورة البيت نفسه. ثم بدأت تشرحه بإتقان، مسترسلة في معاني القوة والعزيمة. وبعد أن انتهت من الشرح، قالت:
من منكم حفظ البيت؟

ساد الصمت، وبدأ الطلاب ينظرون إلى بعضهم بخجلٍ وملل.
رفعت رنا نظرها وقالت:
ألن يجيب أحد؟

ثم رأت يدًا صغيرة ترتفع بخجل في آخر الصف. كانت يد سامر.
قالت بلطفٍ مشجع:
تفضل يا سامر.
وقف متلعثمًا، وصوته يرتجف:
وإذا كانت النفوس كبارًا، تعبت في مرادها الأجسام.

ساد الصمت للحظة، ثم قالت رنا بصوتٍ مفعم بالفخر:
أحسنت يا سامر! هذا هو الصوت الذي أردت أن أسمعه. صفّقوا له جميعًا.

تردد الطلاب في البداية، لكن نبرة المعلمة لم تكن تقبل التردد، فصفقوا...
صفقوا له على مضض، ثم بفضول، ثم بإعجابٍ خافتٍ ما لبث أن تحول إلى احترام.

منذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.

بدأت رنا تكلّف سامر بأسئلةٍ صغيرة أمام الجميع، ثم تمدحه بصوتٍ يسمعه كل من في الصف. كانت تقول أحيانًا:
أنتم لا تعرفون كم في هذا الفتى من ذكاء لو أحسن توجيهه.

وبين كلمةٍ وأخرى، كان سامر ينهض من بين رماد الخجل شيئًا فشيئًا. صار أكثر ثقة،

أكثر حديثًا، أكثر رغبة في التعلم.
بدأ يذاكر كل مساء على ضوء مصباحٍ قديم في غرفته الصغيرة، لا لشيء إلا ليثبت لتلك المعلمة أنه يستحق ثناءها.

في أحد الأيام، دخل والده إلى الغرفة وقال مازحًا:
ما بك يا سامر؟ لم أرك تذاكر بهذا الإصرار من قبل.
ابتسم الفتى وقال:
أريد أن أصبح شخصًا مختلفًا يا أبي.

ومرت الأيام...
تحسنت درجاته، وتبدّلت نظرة زملائه إليه، بل صار بعضهم يستعين به في فهم الدروس.

بعد سنوات قليلة، أصبح سامر الأول على مدرسته، ثم على منطقته، ثم التحق بالجامعة.
كانت رنا تتابعه من بعيد بفخرٍ صامت.
وحين تخرج بدرجة الامتياز، كتب مقالًا في إحدى الصحف بعنوان: “امرأة غيّرت قدري ببيت شعر”.

قال فيه:

> “كنتُ يومًا فتى يظنه الناس غبيًا، حتى قابلت من آمنت بي، معلمة اسمها رنا الطيب، قالت لي: (أرى فيك نفسًا كبيرة). ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى نفسي كما كنت.”

حصل سامر بعد ذلك على الماجستير، ثم الدكتوراه، وعاد إلى قريته ليبني مدرسة تحمل اسم معلمته الأولى. وعلى مدخل المدرسة، نقش بخطٍ عربيّ جميل:

> “كلمة واحدة قد تصنع إنسانًا.”
في داخل كل إنسانٍ بذرة من النور، تنتظر فقط من يؤمن بها. ليست العبرة بذكائنا أو ماضينا، بل بمن يمنحنا الأمل حين نظن أننا لا نستحقه.
كن أنت ذلك الشخص

الذي يفتح الباب للنور في حياة غيره، فربّ كلمةٍ منك تغيّر مصيرًا لا تعلمه.
#المعلمة_الملهمة
 

تم نسخ الرابط