امرأة تجاوز عمرها الخمسين

لمحة نيوز

كنتُ امرأةً تجاوزتُ الخمسين من عمري، رزقني الله ثلاثة أبناءٍ رجال، كلٌّ منهم سار في طريقه، وتزوّج بامرأةٍ اختارها بقلبه. كنتُ أظنّ أنّني ما زلتُ سيدة هذا البيت، وأنّ كلمتي لا تُردّ، وأنّ الجميع يدور في فلكي كما كانوا دائمًا. لم أُدرك يومها أنّ الأيام تتبدّل، وأنّ الإنسان إذا لم يتعلّم التواضع في زمن قوّته، سيذوق مرارة الندم حين تضعف شوكته.

كان ابني الأصغر، "إياد"، أقرب أولادي إلى قلبي، ربما لأنّه آخر من غادر حضني، وربما لأنّني كنتُ أرى فيه صورة أبيه الذي رحل مبكّرًا. حين قرّر الزواج، اختار فتاةً تُدعى "ريهام"، فتاة في مقتبل العمر، هادئة الطباع، عيناها تحملان وقارًا غريبًا على سنّها، وحديثها فيه لطف لا يصطنع. كانت تدرس في كلية الطب، مجتهدةً ومتفوقة، ولها حلم كبير بأن تصبح طبيبة تخفّف عن الناس آلامهم.

في البداية، أحببتها بصدق، بل وكنتُ أتباهى بها أمام الناس، وأقول: “زوجة ابني طبيبة!”، وكنتُ أشعر بشيء من الفخر وهي تساعدني في إعداد الطعام أو تنظيف البيت وهي تبتسم. غير أنّ هذا الإعجاب سرعان ما انقلب إلى نارٍ تشتعل في صدري كلما نظرتُ إليها. كانت ابنتي "هدى" قد رسبت في دراستها الجامعية، وجلست في البيت تملأ نهاري بالشكوى والتذمر، بينما "ريهام" كانت تتألّق في كل يوم، وتزداد تقديرًا في عيون الجميع، حتى في عيون أبنائي الآخرين.

بدأتُ أرى فيها خصمًا لا زوجةً لابني. كنتُ أقول لنفسي: “لماذا يحبها الجميع أكثر مني؟ لماذا يراها

ابني كأنها ملاك؟ أليس أنا من حملته وربّيته؟ كيف أخذت مكاني في قلبه بهذه السهولة؟”

ومن هنا بدأت الحرب التي خضتها ضدّها دون أن تشعر. كنتُ أطلب منها أن تقوم من الفجر لتغسل الثياب وتعدّ الإفطار، ثم تنظّف البيت كلّه قبل أن تذهب إلى الجامعة. فإذا قالت لي: “يا أمي، سأتأخر على محاضرتي”، كنتُ أردّ بقسوة: “ومن قال إن الدراسة أهم من بيت زوجك؟!”
فتسكت وتمضي في صمتها، وكأنّها تخشى أن تجرحني بكلمة.

كنتُ أراقبها وهي تتعب، وهي تخفي دموعها كي لا يراها ابني. وحين يعود “إياد” من عمله ويسألها إن كانت متعبة، كانت تبتسم وتقول: “أنا بخير يا إياد”. فأشعر بغضبٍ يشتعل داخلي أكثر… لماذا لا تشتكي منه؟ لماذا لا تردّ عليّ؟

وذات يوم، جاءت جارتنا "أم صفوان" تزورني، وقالت وهي تضحك: “ما شاء الله، زوجة ابنك هذه كأنها من عائلة راقية جدًا! أنيقة، رقيقة، وحتى حين تتحدث تشعّب الثقة”.
تلك الجملة كانت كالسهم في صدري. شعرتُ أنني لا أتحمّل أن تُمدَح أمامي امرأةٌ أخرى، خصوصًا تلك التي دخلت بيتي وأخذت ابني مني.

ومنذ ذلك اليوم، قررتُ أن أطفئ نورها. بدأتُ أشتكي منها أمام أولادي الآخرين، وأقول لهم إنها لا تحترمني، وإنها تتصنع الأدب أمامهم فقط. وكنتُ أختلق القصص لأجعل “إياد” يشكّ فيها. كنتُ أقول له: “يا بني، هذه الفتاة ليست كما تراها… سمعتها أمس تتحدث في الهاتف بصوتٍ منخفض! من كانت تكلم؟!”
وكان يثور في البداية، ثم يهدأ، ويقول لي: “أمي، لا تظلميها، إنها طيبة.


لكنني كنتُ أكرّر الأكاذيب يومًا بعد يوم، حتى بدأ قلبه يتعب، وبدأ الشكّ يتسرّب إلى بيتهما الصغير.

مرّت الشهور، وبدأت “ريهام” تذبل شيئًا فشيئًا، كزهرةٍ جفّ ماؤها. كانت تبتسم لي رغم كل شيء، وتقول: “أمي، أريد أن أرضيك، فقط دلّيني على ما يُرضيك.”
فأردّ عليها بقسوةٍ خبيثة: “لو كنتِ فعلاً تحبينني، لتركْتِ الجامعة وجلستِ لتهتمي ببيتك!”
وحين حاولت ذات مرة أن تعترض قائلةً: “لكن يا أمي، حلمي في أن أكون طبيبة ليس ضد واجبي في البيت”، صرختُ فيها حتى ارتجف البيت كله.

بكيتُها كثيرًا من غير دموع، وكسرتُ قلبها وهي التي كانت ترى فيّ أمًّا.
وفي النهاية، لم يتحمّل ابني هذا الشقاء، وبدأ ينفر منها. ومع كل شجارٍ بينهما، كنتُ أذكي النار بعباراتٍ خادعة: “انظر يا بني، كنتُ أعلم أنها ليست على قدر المسؤولية.”
وفي لحظة ضعفٍ منها، قالت له: “طلقني يا إياد، لم أعد أحتمل.”
وهو، وقد أرهقته الخلافات، طلقها.

خرجت من البيت ووجهها شاحب، تحمل بيدها حقيبة صغيرة، وعيونها تفيض دموعًا كأنها الوداع الأخير. رأيتها وهي تمسح دموعها وتقول لي: “سامحكِ الله يا أمي، كنتُ أحبك بصدق.”
لكنني يومها لم أتأثر. بل شعرتُ بالراحة، وقلتُ في نفسي: “انتهى الكابوس.”

مرت السنوات، ومرت الأيام الثقيلة، وبيتي صار موحشًا رغم ضجيج أحفادي. لم يعد في صوتي صراخ ولا في قلبي فرح. حتى “إياد” تغيّر، صار صامتًا، يزورني قليلًا، وكأنّ بيننا حائطًا لا يُرى.

وذات يوم، بينما كنتُ جالسة أمام

شاشة التلفاز، رأيتها صدفةً في نشرة الأخبار، تقف بثوب الطبيب الأبيض، تتحدث بثقةٍ وهي تفتتح مركزًا طبيًّا مجانيًّا للفقراء. كانت جميلة كما لم أرها من قبل، يحيط بها الناس، ويشكرونها ويدعون لها.
قرأت اسمها على الشاشة: "الدكتورة ريهام ناصر"
فشعرتُ بأن الأرض تميد بي، وغرقتُ في بكاءٍ طويل لم يعرفه أحد. تذكّرتُ كل كلمةٍ قلتها لها، وكل إهانةٍ ألقيتها على قلبها.

في تلك الليلة، لم أستطع النوم، فقمتُ وكتبتُ رسالة طويلة أطلب منها أن تسامحني. أرسلتها مع ابني الذي يعرف مكانها، وعاد إليّ بعد يومين يحمل ورقة صغيرة. فتحتها بيدٍ مرتعشة، وقرأت:

 "يا من كنتِ يومًا أمي، سامحتُك في الدنيا لأنني لا أريد أن أحمل حقدًا، لكني لن أنسى ما فعلتِه بي. دعيني أحتفظ بألمي كما هو، لعلّه يكون درسي الأكبر. سامحي نفسك إن استطعتِ، فالله وحده يعلم كم كان وجعي كبيرًا."

سقطت الورقة من يدي، وشعرتُ أنني فقدتُ كل شيء. أدركتُ حينها أن القسوة التي زرعتها في قلب إنسانةٍ صافية، عادت لتؤرق قلبي كل ليلة. صرتُ أعيش على ذكراها، وأتمنى لو تعود الأيام لأقبّل يدها التي كنتُ أُهينها بلا سبب.

واليوم، أكتب حكايتي هذه لعلّها تكون عِبرةً لكل أمٍّ ظالمة، لكل امرأةٍ سمحت للغيرة أن تُغشي بصيرتها.
يا من تسمعينني الآن، لا تدمّري بيت ابنك بيدك، ولا تظلمي فتاةً رآها الله طيبةً فاختارها له. لأنك إن فعلتِ، فستعيشين بقلبٍ مكسورٍ لا يلتئم، وبليلٍ لا يهدأ.
إذا كنت من محبي القصص

والقراءة اعمل متابعة لصفحتنا ليصلك كل جديد لنا.

تم نسخ الرابط