الأخوة والصندوق

لمحة نيوز

الأخوة و الصندوق  قصة من التراث القديم

في قديم الزمان، في أرضٍ يلفّها الغبار وتظلّلها الخيول، كان شيخ قبيلة يُدعى "الشيخ عبد الله"، رجلاً فطناً عاقلاً محنكاً في شؤون الحياة والناس. 

رزقه الله بأربعة من الأبناء، كلهم ذكور، وكانوا مختلفين في الطباع، متقاربين في العمر، متباعدين في النيات.

كبر الشيخ، وتقدمت به السنون، وأدرك أن أجله قد اقترب. جلس ذات ليلة في خيمته المتواضعة، التي لا يُذكر فيها إلا الطيب، وأمر أحد خدمه المقربين أن يأتي له بأربع صناديق من الخشب القوي، وأن تكون مزوّدة بأقفال لا تفتح إلا بالمفتاح المخصص لكل منها.

بعدما جلب الخادم الصناديق، جلس الشيخ لوحده، وبدأ يضع في كل صندوق ما يراه مناسباً لكل من أبنائه.

 لم يكن يقسم مالاً فقط، بل كان يوزع ميراث الحكمة والتجربة والعبرة. وحين انتهى، كتب اسم كل ابن على صندوقه وأقفلها جيداً.

في صباح اليوم التالي، نادى أبناءه الأربعة وجلسوا حوله بإجلال وهيبة. 

نظر إليهم نظرة الوالد الذي يتمنى الخير والنجاة لفلذات كبده، ثم قال:

"يا أبنائي، الدنيا دار فناء، وكل ما فيها

إلى زوال، فلا تغرنكم الحياة ولا تغرنكم المظاهر. هذه الصناديق تمثل قسمة العدل التي ارتضاها أبوكم، فلا تختلفوا بعدي. فإن حدث اختلاف، فارجعوا إلى القاضي الشيخ سالم، فهو رجل عرف وحكمة يشهد له القاصي والداني.

 أسأل الله أن يهديكم إلى سواء السبيل."

لم تمضِ أيام حتى رحل الشيخ عبد الله عن هذه الدنيا، تاركاً خلفه إرثاً من الحكمة لا الذهب.

اجتمع الإخوة الأربعة بعد دفن والدهم، وكانوا مكلومين، لكن الكبير منهم قال: "هلمّوا بنا نفتح الصناديق ونرى ما قُسم لنا. لنتقبل أمر والدنا بالرضى، فقد كان عادلاً."

فتحوا الصناديق الأربعة، فوجد الكبير في صندوقه:
السيف. خاتم الرئاسة. الراية.

أما الثاني، فوجد:  الرمل .الحجارة.

والثالث:العظام.

أما الصغير فكان له:  الذهب. الفضة.

سادت لحظة من الصمت، ثم قال الثاني: "كيف يُعقل أن أحصل على الرمل والحجارة، بينما أخي الأصغر ينال الذهب والفضة؟"

قال الثالث: "والعظام؟ هل أنا راعٍ؟ أين العدل؟"

أما الكبير، فلم ينطق. ظل صامتاً، يعبّر وجهه عن تفكّر لا عن رضا أو غضب.

تذكّروا وصية والدهم، فقرّروا التوجه

إلى القاضي سالم. حملوا متاعهم، وأغلقوا بيوتهم، وبدأوا رحلة إلى ديار القاضي، التي كانت على مسافةٍ طويلة.

في ربع الطريق الأول، ظهر لهم ثعبان صغير. اقترب منهم ببطء ثم فجأة فتح فمه بشكل مخيف حتى كاد يغلق عليهم الطريق. حاول الصغير ضربه لكنه أخطأ، فركضوا مبتعدين ونجوا بأعجوبة.

في الربع الثاني، وجدوا جملاً سميناً في أرض قاحلة جافة، لا شجر فيها ولا ماء. بعد مسافة قصيرة، صادفوا جملاً آخر في روضة خضراء، لكنه كان هزيلاً وضعيفاً.

في الربع الثالث، رأوا طائراً يحوم بين سدرتين، إذا وقف على إحداهما خضرت وذبلت الأخرى، وإذا انتقل ذبلت الأولى وخضرت الثانية.

وفي الربع الأخير، وصلوا قرية القاضي. دلّهم الناس على بيت رجل هرم، فطرقوا الباب، ففتح لهم شيخ كبير في السن، ضعيف البصر. 

سألوا عن القاضي، فأجابهم: "إنه أخي الأكبر، تجده في البيت المجاور."

ذهبوا متعجبين من حال الشيخ، وتساءلوا عن حال أخيه إن كان هذا هو الصغير.

طرقوا بيت القاضي، ففتحت لهم امرأة حيية، رحّبت بهم وأدخلتهم المجلس، وقدّمت لهم القهوة، ثم أيقظت القاضي.

دخل عليهم رجل في كامل قوته،

متوسط العمر، قليل الشيب، بصحةٍ وعافية، رحّب بهم وسألهم عن حاجتهم.

فبدأ الأخ الأكبر بسرد ما رأوه في الطريق، وطلبوا منه تفسيرًا:

قال القاضي: "الثعبان يمثل الشر، يبدأ صغيراً ثم يكبر إن اقتربت منه. الجمل السمين في الأرض القاحلة هو من يرضى ويعيش قنوعاً. أما الهزيل في الروضة، فهو من لا يرضى ولو أُغدق عليه.

 الطائر بين السدرتين هو مثل الرجل الذي له زوجتان، لا ترضى كل واحدة إلا إن غضبت الأخرى.

أما عن أخي، فهو أصغر مني، لكن زوجه سليطة اللسان، لا تدعه يهنأ بعيش. أنا زوجتي صالحة، توقظني بلين وتخدمني بحب، ولهذا تبدو عليّ الصحة والراحة."

ثم طلبوا حكمه في أمر الصناديق.

قال: "أبوكم حكيم. أعطى السيف والخاتم والراية لمن هو أهل للقيادة. وأعطى الرمل والحجارة لمن يدير الأرض والعقار. وأعطى العظام لمن يرعى الماشية. أما الذهب والفضة، فهي للابن الأصغر، يحتاج إليها، لكنه سيحتاجكم لاحقاً، فلا تنسوه. توحدوا، وتعاونوا، تسعدوا."

رضي الإخوة بما حكم، ورفعوا أيديهم بالدعاء للشيخ والدهم وللقاضي سالم.

ومنذ ذلك اليوم، صارت القبيلة مثالًا في التعاون والحكمة.

إذا كنت من محبي القصص والقراءة اعمل متابعة لصفحتنا ليصلك كل جديد لنا.

تم نسخ الرابط