عندما قال الطفل هذا المشرد يشبهني
هو شاور على راجل مشرد وقال: "ماما، الراجل ده شبهى بالظبط" — وساعتها الحقيقة اتكشفت.
كان يوم خريفي بارد، الهوا فيه لسعة خفيفة والناس رايحة جاية بسرعة، والضحك مالي الشارع مع ريحة الكستنا المشوية.
سارة كولينز ركنت عربيتها قدام المخبز اللي دايمًا بتشتري منه، وابنها إيلي – عنده سبع سنين – كان بيقعد في الكرسي ورا بيتكلم بحماس عن البطل الخارق اللي نفسه يقابله يومًا ما.
نزلوا من العربية، وسارة كانت ماسكة إيده وهي بتضحك على طريقته في الكلام.
بس قبل ما يوصلوا لباب المخبز، إيلي وقف فجأة.
عينيه اتثبتت على حاجة بعيد، ووشه اتغير.
شدّ كمّها وقال بصوت واطي فيه دهشة:
"ماما… الراجل ده… شبهى جدًا!"
سارة لفّت تبص.
على ناصية الشارع، كان فيه راجل قاعد على الأرض، هدومه ممزقة، دقنه طويلة، وشه عليه غبار،
لكن كان فيه حاجة خلت قلبها يقف: نفس العيون البنية الغامقة، نفس الغمازة الصغيرة اللي بتظهر لما بيكشّر، نفس الملامح بالظبط!
سارة حست إنها مش قادرة تتنفس.
قلبها بدأ
إيلي بص للراجل باستغراب وقال ببراءة:
"ماما، هو ممكن يكون بابا؟"
الكلمة دي كانت كأنها طلقة في صدرها.
الناس حواليهم ماشية عادي، بس هي حسّت إن الدنيا كلها سكتت.
بصت في وش ابنها، وبعدين للراجل…
ولأول مرة من سنين، الماضي رجعلها دفعة واحدة.
سارة بسرعة سحبت إيد إيلي وقالت بابتسامة مصطنعة:
"ما تقولش كده يا حبيبي، يلا نجيب الكيكة اللي بتحبها."
بس صوتها كان بيرتعش، وعينيها كانت بتلمع بالدموع.
لأن الحقيقة إنها هي كمان عرفته.
الراجل اللي قاعد على الرصيف ما كانش غريب.
كان ديفيد — أبو إيلي الحقيقي.
الراجل اللي كانت بتحبه زمان، واللي اختفى من حياتها قبل ما ابنها يتولد.
اللي كانت فاكرة إنه مات في حادثة من ٨ سنين.
سارة حسّت الدنيا بتلف بيها.
كل حاجة حواليها اختفت، وما بقتش شايفة غير وشه — متغير، متبهدل، بس العيون دي…
العينين اللي كانت بتحلم بيها كل ليلة زمان.
خدت ابنها بسرعة ودخلت المخبز، بس كل
وهي واقفة عند الكاونتر، عينيها دمعت، وإيديها كانت بتترعش وهي بتحاول تمسك نفسها.
بعد ما خلصت وخرجت، بصت ناحيته تاني…
الراجل كان لسه قاعد، بس المرة دي، كان بيبص ناحيتهم.
نظرة طويلة، مليانة وجع، كأنه هو كمان عرفهم.
سارة اتجمدت مكانها.
ما كانتش عارفة تروح له ولا تهرب.
بس في اللحظة دي، اتأكدت إن الماضي اللي كانت فاكرة انتهى… لسه ما بدأش أصلًا.
❤️ بعد أسبوعين...
سارة ما كانتش قادرة تطرد صورته من دماغها.
كل يوم وهي رايحة الشغل أو راجعة، بتعدّي من نفس المكان، تدور عليه بعينيها… بس مفيش.
اختفى تاني، زي كل مرة.
وفي يوم مطر، وهي راجعة من الشغل، شافته تاني.
قاعد في نفس المكان، بس المرة دي باين عليه التعب أكتر.
قربت منه بخطوات مترددة، وإيلي مش معاها.
قالت بخوف:
"ديفيد؟"
رفع راسه ببطء،
ولما شافها، ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة، وقال بصوت واطي:
"كنت مستني اللحظة دي."
دموعها نزلت غصب عنها:
"فينك يا ديفيد؟ الناس قالت إنك متّ!"
تنهد وقال:
"
سكت لحظة، وبص لها وقال:
"كنت بدور عليكم، بس ما كنتش عارف حتى أنتوا فين… ولما شوفت إيلي، قلبي عِرف قبل عقلي."
سارة حطت إيدها على بقها وهي بتبكي:
"هو ابنك، يا ديفيد… ابنك اللي كنت فاكرة إنك مشيت من غير ما تعرف."
ديفيد بكى، والدموع نزلت على وشه المرهق.
قال بصوت مبحوح:
"كنت فاكر إني فقدت كل حاجة، بس يمكن ربنا رجع لي أغلى حاجة في الوقت الصح."
في اللحظة دي، المطر كان بينزل تقيل،
وسارة لأول مرة بعد سنين، حسّت إن قلبها بيرجع يدق من تاني.
بعد شهور، سارة بدأت تساعده،
رجّعته للحياة خطوة بخطوة، شغل، علاج، لبس، كرامة.
وكل يوم كان بيقرب أكتر من ابنه، وإيلي بقى بيقول لكل الناس:
"ده بابا البطل الحقيقي."
🕊️ النهاية
مش كل غياب نهاية،
وفي ناس بتختفي عشان القدَر يرجعهم في اللحظة اللي محتاجينها أكتر من أي وقت تاني.
أوقات الوجع بتكون الطريق الوحيد علشان نرجع نعيش…
والحقيقة اللي كانت وجع زمان، بتبقى خلاص النهارده.