حكاية روز
كانت روز بنت هادية وطيّبة، اتربّت في دار أيتام من يوم ما كانت طفلة بعد ما فقدت أهلها في حادث. ماكانش ليها حد، فكبرت وهي بتحاول تعيش بالحلال، تشتغل هنا وهنا… لحد ما مكتب تشغيل خادمات بلغها إن في "قصر كبير" طالب خادمة مقيمة بمرتب كويس.
افتكرت إن ربنا بيعوضها… لكنها ما كانتش تعرف إن الخطوة دي هتبدأ أسوأ أيام حياتها.
وصلت روز القصر. كان ضخم، فخم، مليان خدم… لكن الكل ساكت وخايف.
أول ما دخلت، شافت سامر… صاحب القصر. عينه فيها قسوة غريبة، وكأنها مش بتشوف بني آدم بل شيء يملك حق التحكم فيه.
قال لها أول جملة:
"القصر دا كله يتنضف كل يوم… والأكل 3 وجبات جاهزين… الجنينه تظل زي ما هي. لو شُفت غلط، هتعاقبي. يلا غوري من وشي."
هزت رأسها:
"حاضر… تأمر بحاجة؟"
رد ببرود وخبث:
"أيوه… بعد ما تخلصي تعالي أوضتي."
ارتعش قلبها… لكنها سكتت.
بعد ساعات رجعت وقالت:
"خلصت كل حاجة… تحب حاجة تانية؟"
قرب منها وقال بحدة:
"قربي."
لما اتأخرت خطوة، صرخ:
"قلتلك قربي!"
ولما قربت، مسكها من كتفها ورماها على الأرض، وقال:
"تمشي قدامي زاحفة… ولو اتأخرتي هدوس عليكي."
رفضت، لكنه رفع رجله وداس على إيدها لحد ما صرخت صرخة قطعت قلبها.
أمرها تكمل وهي ساكتة… لحد ما جسمها انهار.
رماها بعد كده في أوضة صغيرة ضلمة، ولما صرخت وخافت… زقها
لكن الصمت خيّم…
نبضها كان ضعيف…
فجأة خوف غريب ظهر على وشه.
شالها وجرى بيها على المستشفى.
بعد ما رجعت، وقف فوقها وقال ببرود:
"فاكرة هتموتي وترتاحي؟ لا… أنتي لسه."
رجعت شغلها وهي ساكتة، وسكوتها كان بيستفزه.
في يوم… دخلت عزيزة هانم—أم سامر. ست قوية ومتسلطة.
أول ما شافت روز صرخت:
"إنتي اللي قتلتي حفيدي!"
وراحت تضربها، لكن سامر مسك روز ووراها وقال لأمه:
"مفيش الكلام دا!"
عزيزة كانت شايلة كراهية قديمة… لأن زمان، قبل ما روز تيجي القصر، كان سامر متجوز من بنت بسيطة اسمها ليلى… وأمه ما كانتش راضية عنها.
ولما ليلى ولدت طفلهم الوحيد… كانت عزيزة ناوية تبعد الطفل عن ليلى وتربيه هي.
سامر اتخانق معاها… ووقتها حصلت حادثة ضايعة تفاصيلها، انتهت بوفاة الطفل وليلى معًا.
ومن يومها سامر اتحول لوحش… اللوم قتل إنسانيته.
رجعت المعركة بينه وبين عزيزة، وكل حد بيحط غلطه على روز.
وفجأة الشرطة دخلت:
"مطلوب القبض على سامر لإجبار روز على الإقامة بالقصر."
سامر وقف بثقة وقال:
"روز مراتي."
عزيزة صُدمت.
روز اتجمدت.
قال:
"هاجيب الدليل."
جاب ورق زواج مختوم.
الشرطة مشيت بعد ما اتأكدت.
أما روز… قلبها وقع:
"إزاي؟! أنا ماضيتش! أكيد مزوّر… الطريق الوحيد للهروب اتقفل."
كانت واقفة بتسمع نقاش بين سامر وأمه…
لما فاقت… لقت نفسها على سرير كبير… مش في أوضتها الصغيرة.
ولأول مرة شافت سامر قاعد جنبها.
وشه مش قاسي… ولا متجمد…
كان باين عليه خوف حقيقي.
قال بصوت منخفض لأول مرة:
"كنت هتموتي… فاهمة يعني إيه؟"
روز بصوت ضعيف:
"ليه بتعمل فيا كدا؟ أنا مالي؟"
سكت لحظة… كأن جواه حاجة محبوسة سنين.
قال:
"كل اللي اتاخد مني… اتاخد غصب… مراتي… ابني… حياتي. وأمي السبب… واللي جه بعدهم اتحول لشيء أنا مش قادر أوقفه."
دمعة وقفت في عينه—دمعة واحدة بس قبل ما يخبّيها بسرعة.
روز بصوت متقطع:
"وأنا ذنبي إيه؟"
سامر اتنهد:
"يمكن… مفيش ذنب. بس انتي الوحيدة اللي دخلتي حياتي من غير ما أكون مستعد… وده خوّفني."
لأول مرة قال كلمة خوف.
الوحش كان بيوقع.
من اللحظة دي… سامر تغير، مش فجأة، لكن ببطء…
بقى يعاملها أحسن…
يبص لها نظرة فيها تأنيب ضمير…
يسألها لو محتاجة حاجة…
أمه كانت غاضبة وبتحاول تضرّها… لكن سامر وقف ضدها.
روز بدأت تفهم إن سامر مش شر محض… لكن إنسان اتكسر قبلها بكتير.
وبدأت مشاعر مختلفة تتولد… خوف؟ شفقة؟ حاجة غريبة بينهم.
وفي يوم… شافت صندوق قديم في مكتبه.
جواه صور ابنه الراحل… ومراته ليلى.
وبعدين صورة لورق، كان مكتوب عليه:
"ليلى… اتمنيتك تسامحيني… سامر مش ذنبُه. أمي إجبرتني
روز اتجمدت.
الحقيقة كانت إن عزيزة هي اللي أخدت الطفل… وإن "الحادث" كان محاولة هروب الأم.
سامر فضل سنين فاكر إن مراته خانته… وإنها السبب.
الحقيقة كانت أمه.
روز مسكت الورق، لكن سامر دخل فجأة.
وقف شاخص…
وشه ابيض…
قال بصوت مكسور لأول مرة في حياته:
"انتي… لقيتي دا؟"
هزت راسها… وبكي لأول مرة.
حرفيًا بكى.
سنين من الغضب والحقد وقعت على الأرض.
قال بصوت مخنوق:
"أنا… ظلمتك… وظلمت نفسي… وظلمت كل اللي حواليّ. يا روز… سامحيني."
روز قربت منه لأول مرة بدون خوف:
"انت اتعذبت بما فيه الكفاية… بس الألم اللي جوّاك مش محتاج ضحية جديدة."
من اليوم دا علاقتهم اتغيرت.
عزيزة اتطردت من القصر بعدما اتكشف كل شيء.
سامر بدأ يتعالج… بدأ يبقى إنسان.
وبعد شهور…
روز وقفت قدامه وقالت:
"أنا بامشي."
اتصدم:
"ليه؟"
قالت بابتسامة هادئة:
"علشان أرجع لحياتي… أنا ساعدتك ترجع تبقى بني آدم… لكن مش دوري أكمل حياتي مكان حد تاني."
سألها:
"وهترجعي؟"
قالت:
"لما تكون مستعد تشوفني إنسانة… مش خوف… ولا تعويض… ولا زوجة بورق مزوّر."
وبعد شهور من العلاج والتغيير الحقيقي…
سامر راح لها بنفسه.
بدون سلطة… بدون قصر… بدون أوامر.
قال لها:
"دلوقتي… أنا مستعد. مش عايزك تيجي لي… عايز أكون أنا اللي يستحق ييجي
ابتسمت روز… وبصوت هادي قالت:
"دلوقتي فقط… أقدر أفكر. ويمكن… أسامح."
ووقتها بس… بدأت قصتهم الحقيقية.
مش قصة قهر…
ولا ملك وعبد…
ولا أوراق مزورة…
قصة اتنين اتصلّحوا من جديد