سر المرأة المتشردة
من يوم ما ابني قالّي: “ماما، لازم تمشي… البيت ده ماعادش فيه مكان ليكي”، وأنا حياتي اتشقلبت. مفيش حد في الدنيا يتوقّع إن ابنه اللي ربّته بإيديها يبقى واقف قدّامها ببرود، يزق شنطتها ناحية الباب، من غير خناقة ولا صريخ… بس كده، قرار نهائي. لقيت نفسي بالليل ماسكة شنطة قديمة، أركب أوبر لوسط المدينة، وأنا مش عارفة هنام فين.
في الآخر لقيت شغل كطباخة وردية ليل في داينر صغير، لافتته النيون نصها مطفي، والناس اللي بتدخل وتطلع أغلبهم شغالين ورديات أو سواقين نقل أو ممرضات تعبانين. كنت بأرجع ريحتي زيت وبيض وقهوة، بس المرتب مع بقشيش مكروت كان مكفي إني أعيش في أوضة صغيرة في بيت قديم ومتهالك.
وهناك، في نص المدينة، شُفت الست دي.
كانت قاعدة دايمًا عند نفس الركن، لابسة بالطو خفيف على الهوا المقرّص، قدّامها كوباية ورق فيها شوية فكة. شعرها أبيض ووشّها باين عليه السنين، بس عنيها… عنيها زرقة وبتلمع بطريقة مش
ومن بعدها بقى بينا طقس ثابت. أخلص الشغل 5 الفجر، أعدّي عليها، أسيب لها فكة، نص مافن، رول… أي حاجة فاضلة من الشغل. كانت تشكرني خلاص. وكنت معتقدة إن دي علاقتنا: واحدة مسنّة بتشحت، وواحدة مسنّة بتتعاطف.
إنما اللي لاحظته بعد كده خلّاني أشك.
كانت دايمًا تعرف إمتى هعدّي، حتى لو اتأخرت نص ساعة. عينيها بترقب الشارع مش الكوباية. مرة سألتني عن اسم الشارع اللي ساكنة فيه… وبعدها كرّرته بين شفايفها كأنها بتخزّنه.
وبعدين بدأت الحاجات الغريبة تحصل في البيت.
بالليل… حد يقف قدام باب أوضتي، ولا يخبط… بس واقف. أسمع النفس. الخطوات تبعد تاني. نور الطرقة يولع ويطفي من غير سبب. يوم رجعت فيه بدري، شُفت حد واقف عند آخر الشارع، شكله زيها… واقف يبص ناحية شباكي كأنه مستنّي حاجة.
قلت لنفسي: التعب… الهلاوس… الوحدة.
لحد الليلة اللي المطر كان فيها بينزل رزاز يلمع تحت نور العمود. خرجت من المطعم وجسمي واجعني كله. رحت ناحيتها، وحطّيت فلوس زي كل يوم.
المرة دي… مسكت إيدي.
يده كانت ساقعة زي التلج، بس قبضة قوية، مش قبضة حد جعان ولا ضعيف. شدّت إيدي ليها، وبَصّتلي مباشرة… وساعتها شُفت بوضوح إن الست دي مش عادية. عنيها كانت فايقة… زيادة عن اللزوم.
وبصوت واطي قالت:
"يا بنتي… انتي كنتي كويسة معايا في وقت محدش كان شايفني فيه. بكرة الصبح… ما تروحيش الأوضة اللي بتنامي فيها. استنّيني هنا. عندي سر… هغيّر بيه حياتِك."
أنا اتلخبطت… خفت… بس في نفس الوقت، كان جوايا إحساس إن كلامها جد. رجعت البيت وانا قلبي بيخبط، والنور في الطرقة كان بيولع ويطفي لوحده… كأن مكان بيودّعني.
الصبح… وقفت وأخدت القرار: ما رجعتش الأوضة. روّحت الناصية بدري، وهي كانت مستنّياني.
كانت واقفة على رجلها، لابسة معطف مختلف… نظيف، تقيل… وشكلها مش
قربت وابتسمت وقالت:
“أخيرًا اتبعتي إحساسك.”
ومدّت إيديها وادّتني مظروف بني قديم، متخنق كأنه مليان أوراق مهمة. قالتلي:
“ده حقّك. وده السبب إني قربت منك.”
بإيدي المرتعشة فتحت المظروف… لقيت فيه مجموعة أوراق ومستندات… كلها باسمي. ميراث… بيت… حساب بنكي… أوراق رسمية… حاجات ما فهمتش إزاي وصلت لها.
رفعت وشي مستغربة… لقيتها بصّة ليّا بابتسامة صغيرة وقالت:
“أنا مش زي ما انتي فاكرة… ولما ابنِك رماكي، ربنا بعتك للطريق اللي يوصلك لحقّك. أنا كنت بدوّر عليكي… من قبل ما تشوفيّ.”
قربت ودَست على كوباية الشحاتة برجليها، وقالت:
“ودلوقتي… يلا بينا نرجّع لك حياتك.”
وأول خطوة خدناها سوا… حسّيت إن الست دي مش مجرد ست عجوز.
حسّيت إنها كانت بتراقب حياتي كلها… قبل حتى ما أعرف هي مين.
ومن اللحظة دي… حياتي فعلاً اتغيّرت.
ومش كل تغيير… سببه ابن بيطرد
أحيانًا… ربنا بيقفل باب علشان يفتح باب أكبر بكتير