طفل صغير تائه

لمحة نيوز

وسط زحمة المدينة وضجيج الشوارع المبتلّة بالمطر، كان طفل صغير لا يتجاوز السابعة يقف وحده عند الرصيف، يرتجف بقوة تحت ملابس خفيفة ابتلّت بالكامل. كانت يداه الصغيرتان منقبضتين عند جانبيه، وشفاهه مائلة للزرقة من شدة البرد. عشرات المارة مرّوا بجانبه، يرمقونه بنظرة عابرة ثم يواصلون طريقهم، وكأنه مجرد ظل عابر لا يراه أحد. كانت الدموع تتجمّع في عينيه الواسعتين لكنه لم يجرؤ على البكاء، فهو لم يتعلم يومًا أن هناك من قد يهتم بصوته. وفي تلك اللحظة، ظهرت من بعيد فتاة صغيرة ربما في الثامنة، تحمل رغيف خبز واحدًا وتضمّه لصدرها كأنه شيء ثمين. كان معطفها مرقّعًا وحذاؤها متّسخًا لكنها كانت تمشي بعزم هادئ. توقفت عندما

رأته متجمّدًا في مكانه، نظرت إليه بعينين واسعتين مملوءتين بالشفقة، وقبل أن يتنفس حتى كانت قد خلعت وشاحها الصوفي الوحيد ولفته بلطف حول عنقه. انحنت نحوه وسألته بخفوت: "تحبّ آخدك البيت؟" تجمّد الصبي في مكانه، ينظر إليها بدهشة وكأنه يسمع شيئًا من عالم آخر. لم يعتَد أن يمد أحد يده إليه، فالمدينة علّمته أن يختبئ وأن ينجو وحده. همس بصوت مرتجف: "إنتِ… هتاخديني البيت؟" فابتسمت ابتسامة صغيرة وهزّت رأسها: "أيوه… تعال. مش هتكون لوحدك تاني." تشابكت أيديهما الصغيرة، وبدآ يسيران وسط المطر بينما المارة ينظرون إليهما بدهشة—فتاة فقيرة تحمل رغيفًا واحدًا، وصبي تائه يرتجف، لكن بينهما رابط قوي يلمع أكثر من أضواء النيون.
وعندما ابتعدا قليلًا، نظر الصبي إليها وعيناه تلمعان بدموع امتنان صامتة وقال بصوت خافت: "أنا… أقدر أكون شجاع… عشان إنتِ شجاعة." ابتسمت له الفتاة، وضغطت على يده وقالت: "وإحنا الاتنين هنكون بخير." وعندما وصلا إلى زقاق ضيق يقود إلى مبنى قديم، فتحته الفتاة بمفتاح صدئ. كان المكان بسيطًا وفقيرًا، لكن دافئًا بطريقة لم يشعر بها الصبي منذ زمن. ركضت والدتها—امرأة مرهقة لكنها طيبة الملامح—نحو الباب عندما رأت ابنًا غريبًا إلى جانب ابنتها، لوهلة ظنّت أنه مشكلة جديدة جاءت مع هذا اليوم الطويل. لكن عندما رأت الوشاح على كتفيه، والرجفة الخفيفة في جسده، والخبز الذي لم تأكله ابنتها كي تحضره للبيت، تغيّر تعبيرها فورًا.
جثت على ركبتيها أمامه وسألته بلطف لم يعتده: "إنت تايه يا حبيبي؟" لم يستطع الرد، فقط أومأ بعينيه المليئتين بالدموع. احتضنته الأم، ومسحت على رأسه وقالت: "خلاص… أنت دلوقتي في أمان." في تلك اللحظة، انهار الصبي في حضنها وبكى للمرة الأولى منذ أسابيع طويلة من الضياع والبرد والخوف. ذلك البكاء الذي يخرج من روح صغيرة تحمل أكثر مما يجب. ومنذ تلك الليلة، لم يعد الطفل التائه بلا اسم أو بلا مكان. أصبح جزءًا من العائلة، يقتسم خبزهم القليل، وضحكاتهم البسيطة، وحكايات المساء. والمدينة التي كانت قاسية وباردة، صارت بالنسبة له أقل ظلمة بكثير… لأن فتاة صغيرة لم تتجاهله. فتاة أعطته وشاحها… وأعطته بيتًا… وأعادت إليه قلبه

تم نسخ الرابط