ظن أن جريمته مكتملة
كان فاكر إن جريمته هتختفي وسط صريخ النهر
وتتاكل مع الزبد اللي بيكسر على الصخور.
كان فاكر إن الجبل هيسكت.
وإن الريح هتتستر عليه.
وإن محدش هيعرف ولا حتى ربنا.
لكن الجريمة اللي بتتعمل بصمت دايما بيبقى ليها صوت تاني.
صوت ماحدش حسب حسابه.
كانت الساعة 6 الصبح والشمس لسه بتمد أول نورها على بلاكوود كليف
الجرف اللي دايما بيغرق في ضباب خفيف والشلال اللي تحته صوته يدوخ أقسى قلب.
والطريق للجرف ضيق كله صخور مهشمة من الشتاء اللي فات.
بس فيه حد كان ماشي عليه بخطوات محسوبة
شاب لابس بدلة غالية وحذاء لامع مش مناسب أبدا لطريق جبلي بالشكل ده.
إيده الشمال ماسكة مقبض كرسي متحرك
وجواه قاعده أمه.
ست ضعيفة
جسمها شبه متجمد.
إيدها محنية على حجرها.
وعنيها شايلة تعب سنين وتخلي الدنيا تسكت لو حد بص فيها.
اسمها مارغريت هارلو.
سيدة كانت زمان رمز للجمال والقوة في بلدتهم الصغيرة لحد ما المرض ضرب نخاعها وساقيها وبقت محبوسة في كرسي ما بيتحركش إلا بالناس.
والناس
مافضلش منهم إلا واحد
ابنها.
جولايان هارلو.
الولد اللي من يوم أبوه مات بقى وجه العيلة.
الولد اللي كل الناس شايفينه طيب مؤدب
ابن بار ووريث لثروة كبيرة.
لكن الأم
كانت عارفة.
عارفة حاجات محدش يعرفها.
عارفة وشوش كتير تحت وش واحد بس هو اللي بيوريه للناس.
الطريق للجرف كان صامت لدرجة توجع.
مارغريت كانت بتحاول تتحرك وتتكلم
بس لسانها تعبان.
وصوتها ما بقاش يطلع إلا همس.
قالت له بصعوبة
جولايان فين رايحين الجو برد رجعني البيت يا ابني
ما ردش.
بس لحظة وسكته اتكسرت.
كان فيه صوت وراهم.
صوت خطوات مختلفة.
خفيفة
سريعة
وودانه مرفوعة.
ريكس.
الجيرمن شيبرد اللي كان بيعيش مع العيلة من يوم ما جولايان كان عنده 13 سنة.
اللي كان أقرب لها من الناس
اللي كان بيحط راسه على رجلها كل يوم كأنه بيقول لها أنا جنبك.
ريكس كان وراهم
بيمشي يوقف يشم الهوا يرجع يتحرك.
جولايان بص وراه بضيق.
ارجع يا ريكس ارجع
لكن ريكس ما رجعش.
لأنه حس بحاجة.
لما وصلوا للحافة
الهوا بقى أسرع.
والضباب بقى خفيف كأنه بيتفتح على مشهد مرسوم.
مارغريت قالت بصوت مرتعش
جولايان ده مش طريق نزهة انت واخدني على فين
هو انحنى قرب لودنها
واتكلم.
محدش سمع الكلام لكن هي سمعته.
وعنيها
اتسعت بطريقة تخوف.
قالت
إنت لا جولايان ده أنا أمك أنت مش
بس هو
ورفع إيده.
ودز الكرسي لقدام.
مفيش لحظة صمت.
مفيش حتى فرصة تسأل ليه.
العجلات سارعت.
الصريخ خرج منها زي حد بيمزق روحه.
وجسمها اختفى.
الكرسي وقع.
والصوت اتقطع فجأة لما النهر أخدها.
جولايان وقف تنفس بعمق وبص على النهر اللي بيبتلع كل حاجة.
مسح هدومه ورجع للخلف.
كان فاكر كده انتهى كل شيء.
بس الصوت اللي جه بعد ثانيتين
زمجرة.
متواصلة.
قريبة جدا.
استدار.
ريكس كان واقف
شعره واقف
عنيه حامية ملهاش مثيل.
وزمجرته كانت بتقول
أنا شوفت.
جولايان حاول يبعد
ريكس! ارجع! ارجع!
لكن ريكس جري.
صوته خبط في الجبل.
وخطواته كانت زي رصاص على الصخور.
قفز بكل وزنه.
وقع جولايان على الأرض.
تليفونه طار بعيد.
حاول يجري
حاول يزحف
بس مخالب ريكس كانت ضاغطة على ضهره.
مفيش مهرب.
ريكس نبح.
نبح بصوت كأنه بينادي العالم.
فوق الجبل
اتنين متسلقين كانوا
ماشيين.
سمعوا الصوت.
جروا.
في حاجة تحت!
ده صوت كلب! واقف فوق حد!
ولما وصلوا
شافوا جولايان متثبت
وكلب عملاق ماسكه ومش سايبه.
واحد اتصل بالشرطة.
والتاني حاول يقرب من ريكس لكن الكلب نبح وحمى مكانه بمنتهى العنف.
مش لأن فيه خطر عليه.
لأ
لأن فيه
الشرطة وصلت.
مسكوا جولايان.
وكل ما يحاول يقوم
ريكس يزوم ويضغط عليه لتحت.
ضابط قال
سيبه يا ولد احنا هنا.
كأن ريكس فهم.
رفع مخلبه
ورجع ورا بس مازال واقف فوقه عينه ما بترمش.
عثروا على دم على هدوم جولايان.
وبعد ساعات
لقوا جسد الأم على ضفة النهر ثابت ووشها للسماء.
التشريح أثبت إنها اتدفعت.
والجروح في العجلات أكدت إن الكرسي كان متوجه بسرعة غير طبيعية.
وجولايان انهار.
اعترف.
قال إنه زهق من المرض
وقال إنه كان عايز الميراث بسرعة
وقال كلام يخلي الجبل كله يرجف.
لكن أهم حاجة قالها
الكلب كان بيبصلي بطريقة كأنه فاهم.
تاني يوم عند الفجر
دفنوها.
ريكس كان واقف.
ما بيتحركش.
ما بيهوهوش.
ما بيبصش على حد.
بس لما نزلوا النعش
فضل ماشي وراه.
ولما اتقفل القبر
قعد جنبه.
قعد ساعات.
ولما الليل جه
مشي بس متر واحد بس.
وقعد تاني.
من اليوم ده
بقى يزور قبرها كل يوم.
يحرسها.
زي ما كان بيحرسها وهي حية.
جولايان اتسجن.
والقضية اتشهرت.
والناس كلها قالت جملة واحدة
لو الكلب ما كانش موجود كانت الجريمة هتعدي.
ريكس بقى رمز للوفاء
ورمز للعدالة اللي بتطلع من أنضف قلب ممكن تتخيله.
وفي آخر يوم في حياته
اتدفن جنبها.
لأن المدينة كلها قالت
هو مش كلب ده شاهد.
سؤال النهاية
لو الوفا كان ليه لسان
كان صوته هيبقى صوت الحق
ولا صوت الألم
ولا الاتنين مع بعض