مكالمة منتصف الليل كاملة
عند منتصف الليل تمامًا، رن هاتفي بصوت اخترق الصمت، وكأن أحدهم يهزّني من النوم. فتحت عيني بصعوبة، فرأيت الاسم المعروض على الشاشة.
أبي.
أبي لا يتصل بعد العاشرة مهما حصل، لذلك ارتفعت دقات قلبي فورًا. ضغطت على زر الإجابة وأنا أتوقع صوته الهادئ الذي اعتدت عليه… لكن ما سمعتُه لم يكن صوت أبي الذي أعرفه.
“إيميلي… ما ترجعيش البيت. خليكِ في مكانك.”
كان صوته مرتجفًا، متقطعًا، مليئًا بالخوف. تجمدت.
“بابا؟ مالك؟ في إيه؟ انت كويس؟”
سمعت نفسه يخرج بصعوبة.
“اسمعيني… لو بتحبيني، ما تقربيش من البيت النهارده. أرجوك.”
“طب قولّي إيه اللي حصل؟”
لكنه لم يقل شيئًا. لم يشرح. لم يحاول حتى يطمئنني.
قال فقط: “ثقي فيّا… أرجوك يا إيمي.”
ثم أغلق الخط فجأة.
جلست في الظلام، يدي ترتجف وهي ممسكة بالهاتف. أبي ليس من النوع الذي يخاف. ليس من النوع الذي يتوتر أو يتوسل. لذلك الخوف الذي سمعتُه كان كافيًا ليقلب معدتي رأسًا على عقب.
لكن مع ذلك… لم أستطع البقاء.
وفجأة، عند الساعة 12:14، ملأ المكان صوت صفارات كأنه صرخة طويلة مرعبة. أربع سيارات شرطة مرت بجواري بسرعة جنونية، تتجه كلها إلى نفس المكان.
شارعي.
ركضت كأن قدمي تتحركان وحدهما. وعندما قاربت على بيتي، رأيت شيئًا لن أنساه أبدًا:
شارعي محاصر بالكامل. ضباط، شرائط صفراء، وحدة تدخل سريع، جيراني واقفين في هلع، وكل العيون موجهة نحو منزلي… منزل أبي.
حاولت الاقتراب، لكن أحد الضباط أوقفني.
“آنسة، ارجعي وراء. المكان خطر.”
صرخت: “ده بيتي! بابايا جوه!”
نظر إليّ نظرة ثقيلة، ثم قال بصوت منخفض:
“عشان كده لازم تبعدي… لسلامتك.”
عندها فقط فهمت.
أبي لم يكن يحذرني من شيء قد يحصل.
كان يحذرني من شيء يحدث فعلاً… داخل البيت.
اقترب ضابط آخر، بدا عليه أنه
“دي بنت صاحب البلاغ.”
شعرت بدوار. “بلاغ إيه؟ بابا اتصل بالشرطة؟ ليه؟”
وبينما أنا أرتجف، خرج ثلاثة أفراد من وحدة التدخل من باب بيتنا وهم يسحبون شخصًا مقيد اليدين، رأسه مُغطّاة بكيس أسود. كان يتحرك ويقاوم وكأنه وحش محبوس.
سألت الضابط: “مين ده؟! إيه اللي بيحصل؟!”
تنهد وقال لي:
“أبوك اتصل من حوالي عشر دقايق، وقال إنه شاف شخص غريب جوه البيت… جالس في الظلام. قال إن الشخص ما بيتكلمش… وما بيتحركش… بس بيتنفس.”
ابتلعت ريقي بصعوبة.
“يعني حرامي؟”
هز الضابط رأسه ببطء:
“ما نقدرش نقول عليه كده… الشخص ده كان مستخبي في بيتكم من فترة طويلة. إحنا لسه بنجمع المعلومات… لكنه كان ساكن في غرفة السطح، وداخل البيت من غير ما حد يحس بيه. جهاز الأمن شايف إنه مش مجرد تسلل.”
“يعني إيه؟”
اقترب الضابط خطوة وقال بصوت منخفض:
“لقينا حاجات تخصك… صور، تسجيلات، ورسائل
شعرت ببرودة تسري في عروقي. صور… تسجيلات… غرفة كاملة فوق في بيتنا؟
والأخطر من ده… إن الشخص ده كان جوا البيت وأنا وأبي عايشين وكأن كل شيء طبيعي.
أخذوني ناحية السيارة، وهناك رأيت والدي أخيرًا. كان واقفًا تحت المطر، يده على رأسه، وصدره يرتفع وينخفض بسرعة. وعندما رآني، هرع نحوي بقوة لدرجة أنني شهقت.
“الحمد لله… الحمد لله سمعتِ كلامي.”
كانت هذه أول مرة أرى أبي يبكي.
سألته وأنا أتعلق بقميصه:
“بابا… كان هيعمل إيه؟”
مسح دموعه وقال:
“مش مهم يا إيميلي… المهم إنك بخير. المهم إنك ما رجعتيش.”
لكن في الحقيقة… كان مهم.
لأن الضابط نفسه اقترب منا وقال بصوت ثقيل:
“لو كنتي رجعتي بدري… ما كناش هنعرف نوصلك في الوقت المناسب.”
عندها أدركت…
أبي لم ينقذني من لص.
ولا من مختل.
ولا من مجرد غريب.
بل أنقذني من شخص
ليظهر نفسه.
ومن الليلة دي…
حياتي ما رجعتش زي ما كانت أبدًا.