مين يشتري ابني ويديني بداله كيس عيش؟.. بقلم اسامه الهواري

لمحة نيوز

مين يشتري ابني ويديني بداله كيس عيش؟

الجملة اللي هزّت شارع كامل… واتكتبت بعدها سطور ماحدش كان يتخيل إنها تحصل في عز النهار.

في يوم من أيام الشتاء اللي الهوا فيها بيقرص، وكان الغيم نازل كأنه غطا المدينة… وقف راجل اسمه محمود قدام فرن بلدي في حي بسيط.
راجل في الأربعين، لكن شكله يدّي إنه فوق الخمسين… مش من السن، من الهم.

كان لابس جاكيت قديم، ومسك ابنه الصغير “آدم” من إيده… الولد جسمه نحيف، ووشه أصفر من قلة الأكل.
محمود دخل الطابور وهو ساكت… لكن كل خطوة كان بياخدها كانت تقيلة زي جبل فوق ضهره.

الناس واقفة، وكل واحد شايل همّه، بس همّه هو كان أثقل.

بعد نص ساعة انتظار… الراجل بصّ للعامل وقال:
– يا ابني، لو سمحت… ورّيني كيس عيش واحد بس.

العامل استغرب:
– يعني إيه؟ ليه؟

وهنا… محمود رفع صوته لأول مرة، صوته اللي كان مخنوق من أيام:
– مين… يشتري ابني؟!
سكت لحظة… والعيون اتجمعت عليه.
– أيوة… مين يشتري ابني ويديني بداله كيس عيش؟

الشارع اتجمّد.
النسوان اللي بتعجن

في البيت، والرجالة اللي مستعجلة تروّح… كلهم وقفوا.
كأن الزمن وقف دقيقة كاملة.

ست كبيرة صاحت:
– بتقول إيه يا راجل؟!

محمود مسح دمعة نزلت غصب عنه وقال:
– ماحدش يعرف إحنا وصلنا لإيه… ولا ابني ده بقاله كام يوم بياكل نص رغيف في اليوم… ولا أنا آخر مرة دخلت أكل إمتى… أنا مش جاحد، ولا مجنون… بس الجوع اللي أنا فيه بيكسر الواحد… بيكسّر رجولته في نفسه.

الولد آدم كان ماسك في رجل أبوه جامد… مش فاهم الكلام، بس حاسس بالخوف.
بصّ على أبوه وقال بصوت صغير:
– بابا… إحنا هنروح فين؟ أنا جعان يا بابا.

الجملة دي كسرت قلب محمود أكتر من أي حاجة.
بصّ للناس وقال:
– أنا مش عايزه يتبهدل معايا… مش عايزه يجوع… لو حد يقدر يأكّله ويشبّعه… ياخده. بس ادّوني كيس عيش أرجع بيه للبيت. أنا… خلاص… وقعت.

واحد من الرجال اتقدم له وقال:
– طب اسمعني الأول… هو إيه اللي وصلّك لكده؟

محمود تنهد تنهيدة طويلة… وكأنه بيطلّع الشهور اللي فاتت من صدره:
– أنا كنت شغال نجار… شغل يوم بيوم. لما وقفت الشغل،

مافيش حد بيسأل. قعدت ثلاث شهور أدور على شغل… لحد ما الإيجار تراكم… والناس بقيت تستحي تمد إيدها تقوللي “اتفضل شغلانة”. والمرات اللي حاولت آكل فيها ابني واسيب نفسي… كتير. بس المرة دي… ماكانش فاضل غير رغيف واحد… قسمته نصين. وفضلت طول الليل أبصّ عليه وهو نايم وجعان… قلت خلاص… أنا مش قادر أحافظ عليه. يمكن حد غيري يقدر.

الناس بدأت تتجمع أكتر… واحدة ست جريت على البقال وقالت له:
– هات لبن بسرعة.
ورجل تاني دخل الفرن وقال:
– يا عم اديني خمسين رغيف… وهحاسب.

العامل اتوتر وقال:
– اتفضل يا عم… بس ما تقولش الكلام ده تاني… ده ابنك!

الناس اتلمّت حوالي محمود…
بس الراجل ما كانش فرحان بالحشد ده… كان مكسوف.
كان متبهدل من جوه.

شابة وقفت قدامه وقالت:
– إحنا كلنا بنتبهدل… بس ما نبيعش اللحم اللي مننا. إحنا نقف جنبك. إنت مش لوحدك.

راجل كبير في السن مسك كتف محمود وقال:
– زمان لما كنت فقير… قلت نفس الجملة دي لمراتي. كنت هبيع ذهبها… وبعدين لقيت الناس الطيبة اللي ساعدتني. دايمًا

في باب للرزق… حتى لو اتقفل ألف باب.

بصوت مكسور… محمود قال:
– أنا آسف… أنا كنت ببيع وجعي… مش ابني. بس… الجوع بيوصل الواحد إنه يقول اللي ما يتقالش… يعمل اللي ما يتعملش.

وفجأة…
الطفل آدم حضن أبوه… حضن جامد لدرجة إن الناس اتأثرت وبكت.
قال له بصوت مرتعش:
– بابا… أنا مش هسيبك… حتى لو جعنا سوا.

هنا محمود وقع على ركبته… وأخد ابنه في حضنه.
كان بيعيط زي طفل…
دموعه نازلة على الأرض، والناس حواليه بتواسيه.

واحد من أصحاب المحلات قال:
– بص يا محمود… هتيجي تشتغل عندي من بكرة… على قدّي، بس رزق. وابنك ده محدش هياخده منك. إحنا اللي هنساعده.

والناس بدأت تحط في إيد محمود كيس عيش، وكيس فول، وحاجات بسيطة… بس كانت كبيرة أوي عليه.

وفي آخر اليوم…
محمود وقف في نص الشارع وشاف الناس اللي اتجمعت عشانه…
وقال كلمة هزّت قلوبهم:

– أنا… كنت على وشك أبيع ضنايا… مش عشان قليل الأصل… عشان كنت بحتضر من الجوع. بس اتعلمت النهارده إن الإنسان لو وقع… ممكن حد يمد له إيده بدل ما يكسره.

رجع

محمود بيته… وابنه نايم في حضنه…
والدنيا كانت لأول مرة من شهور… خفيفة على قلبه.

 

تم نسخ الرابط