كنا نقف في جنازة والدي، الجو كله حزن وصمت، والكنيسة تملأها همسات منخفضة من المعزّين، لكن وسط كل هذا، قررت أختي فيكتوريا أن تجعل اللحظة عن نفسها كالعادة. وقفت أمامي، نظرت إلى فستاني الأسود الطويل نظرة ازدراء، وقالت بصوت عالٍ يكفي ليسمعه الجميع: “يا إيلينا، بجد؟ الفستان ده شكله من خصومات آخر الموسم، عار على العيلة يوم زي ده.” كانت كلماتها مثل طعنة، لكنها ضحكت بخفة وهي تظن أنها رفعت من شأن نفسها بإهانتي. لم يرد أحد إحراجها، أمي تجنبت النظر إلي، عمّاتي وقفن متجمدات، وأنا اكتفيت بالصمت. ظنت فيكتوريا أن تجاهلي ضعف، لكنها لم تعرف أن الفستان الذي تسخر منه ثمنه ثلاثون ألف دولار، وأنه من مجموعة خاصة لم تُطرح بعد، وأنني أنا التي صممتها ووافقت على الشكل النهائي. لم تكن تعرف أنني المالكة الصامتة للعلامة الفاخرة “هيلوِيز”، العلامة التي تعمل هي فيها كعارضة وتتفاخر بكونها أحد “وجوهها الأساسية”. لخمس سنوات تركتها تستمتع بوهم الشهرة والسطوة، تتباهى على الموظفين، تقلل من
شأن الآخرين، وتعتبرني دائمًا الأخت الباهتة الفاشلة. لم يخطر ببالها يومًا أن كل مرة تمشي فيها على منصة عرض، كانت تمشي تحت ادارتي، وأن راتبها كان يمر من خلال توقيعي، وأن صورها الإعلانية كانت تُعتمد بعد موافقتي المباشرة. لكن عندما أهانتني في جنازة والدي، الرجل الذي ربانا على اللطف والاحترام، شعرت أن الوقت قد حان لتتلقى درسها، درسًا لا يُنسى. قبل أن أذهب للكنيسة ذلك الصباح، كنت قد وقعت قرارًا واحدًا بسيطًا: إنهاء عقد فيكتوريا مع العلامة، وإلغاء كل حملاتها القادمة، وسحب اسمها من قائمة العارضات الأساسيين. كنت أعرف أن الأخبار ستصلها قريبًا، لكنني أردت أن تصلها بعد أول شرخ في صورتها أمام العالم. بعد الجنازة بيومين، أرسلتُ بيانًا عامًا: وجه جديد لعلامة هيلوِيز، عارضة صاعدة أخذت مكان فيكتوريا في ثلاث حملات كانت هي تتباهى بأنها “مضمونة لها”. وسائل التواصل امتلأت بتساؤلات، بينما كانت هي تحاول الاتصال بي مئات المرات، وأنا تجاهلت كل محاولاتها. في اليوم التالي، وصلتها
رسالة رسمية تخبرها بإنهاء عقدها “لأسباب تتعلق بالسلوك المهني غير اللائق”. ثارت، صاحت، هددت، لكن القانون معي وكل الأدلة محفوظة. حدثتها أمي غاضبة تطلب منها الاعتذار، لكنها بدلًا من ذلك جاءت إلى مكتبي بدون موعد، واقتحمت المكان أمام الموظفين الذين اعتادت إهانتهم. لكنها لم تكن تعرف أنني رتبت كل شيء. فور دخولها صمت الجميع، وقف الحراس، ونظرت أنا إليها بنفس الابتسامة التي رأتها في الجنازة. قالت بنبرة مرتجفة: “إنتِ مين علشان تعملي كده؟” أريتها العقد الموقع باسمي كمالكة، وقرار إنهاء عملها، وسجلًا كاملًا لمعاملاتها السيئة مع الفريق، ونسخة من شكوى قديمة كان يمكنني استخدامها ضدها منذ سنوات لكنني لم أفعل. نظرت حولها والتوتر يملأ وجهها، أدركت فجأة أن المكان كله لي، وأنها كل هذه السنوات كانت مجرد موظفة لدي، وأن غرورها ومنظرها الفارغ لم يشفعا لها. قلت لها بهدوء: “كنت أقدر أنهي عقدك من زمان… لكنني تركتك على راحتك. لكن لما وقفتِ في جنازة أبونا وقللتِ منّي قدام الناس، خلّيتي
الليلة دي سهلة جدًا بالنسبة لي.” دمعت عيناها لأول مرة منذ سنوات، لكنها لم تبكِ ندمًا… بل خوفًا. لم أطردها فقط من هيلوِيز، بل ألغيت كل صورها الإعلانية وحذفت أرشيف مشاركاتها في العروض، وبهذا انهار اسمها في الوسط تمامًا. بعدها بأسبوع، خرجت مقالة كبيرة في الصحافة: “المالكة المجهولة لهيلوِيز تُنهي عقد إحدى العارضات بسبب إساءة استخدام النفوذ”. لم يذكر الخبر اسمها احترامًا لخصوصيتها، لكن الجميع عرف. العائلة كلها صمتت، لم يعد أحد يجرؤ على التقليل منّي، وحتى أمي – رغم حزنها على الشقاق بيننا – لم تستطع إنكار أنني كنت أضع حدودًا كان يجب وضعها منذ سنوات. أما فيكتوريا؟ اختفت من الأضواء، تلاشى اسمها، ولم تجد عملًا في مجال الأزياء بعد أن علموا أنها فقدت عقدًا مع هيلوِيز بسبب “سلوك غير مهني”. لأول مرة في حياتها، فهمت أن الأضواء ليست ملكًا لها، وأن من قللت من شأنها دائمًا كانت هي صاحبة الضوء كله. وهكذا جعلتُها، وجعلت كل من استهان بي، يدفع الثمن… دون أن أرفع صوتي لحظة واحدة.