اقترب الصبيان التوأم المشردان من المرأة الثرية وسألا بصوتين خافتين يكادان يذوبان في ضجيج المكان: «سيدتي، هل يمكننا الحصول على بقايا طعامك؟» وكان المطعم من ذلك النوع الذي لا يسمح للمفاجآت بأن تحدث، حيث الثريات الكريستالية تتدلّى بثقلٍ بارد، ومفارش المائدة البيضاء مكوية بدقة، والضحكات منخفضة، مهذبة، محسوبة، وكل من يجلس هناك يعرف جيدًا كيف يبدو الثراء وكيف يُخفي ما لا يليق، حتى الجوع له حدود غير مرئية، وحتى الألم يجب أن يكون صامتًا، جلست المرأة وحدها في زاوية بعيدة، أمامها طبق لم تمسّه، فيليه ميجنون لم يبرد بعد، بطاطا مرتبة بعناية، وكأس نبيذ لم ترتشف منه، لم تكن حزينة بالمعنى المباشر، بل كانت جوفاء، ذلك الفراغ الذي يصنعه الزمن عندما تمرّ السنوات وأنت تقنع نفسك أنك تجاوزت الخسارة بينما هي تنمو داخلك بصمت، ست سنوات مرّت منذ انقسمت حياتها إلى ما قبل وما بعد، ست سنوات منذ خرجت من المستشفى وذراعاها فارغتان وقلبها مكسور بطريقة لا تُشفى، لم تسمع خطوات الصبيين، لم تنتبه إلا حين اخترق صوت صغير متردد خشخشة الفضيات وهمسات الزبائن، رفعت رأسها، فرأت أمامها طفلين حافيي القدمين، ملابسهم ممزقة، ملوثة بالتراب، كدمات قديمة وحديثة على الركبتين، ووجوه أنحف من أن تحتمل عمرهما، لم يكونا متوسلين
ولا مسرحيين، فقط مدّا أيديهما بأمل بسيط، أحدهما قال بهدوء مهذب لا يشبه أطفال الشوارع: «هل يمكننا الحصول على بقايا طعامك؟» وكأن الغرفة بأكملها توقفت عن التنفس، العيون اتجهت إليهم، همسة هنا، نظرة استنكار هناك، النادل تجمّد في مكانه، ولجزء من الثانية عبر الضيق وجه المرأة، ضيق قصير، غريزي، ثم اختفى تمامًا، لأنها رأت ما هو أبعد من الفقر والاتساخ، رأت التشابه، لا، التطابق، نفس انحدار الأنف، نفس الفم الصغير المشدود، نفس العينين الواسعتين بلون عسلي داكن، والطريقة التي مال بها أحدهما نحو الآخر دون وعي، حركة حماية فطرية، حركة رأتْها من قبل، قبل ست سنوات، عندما كانا حديثي الولادة، سقط كأس النبيذ من يدها وتحطم، صوته ارتطم بالأرض كطلقة، لكن المرأة لم تنتبه، كانت تحدق في الطفلين كأن الماضي خرج من الظلام ووقف أمامها، همست بصوت مرتجف: «كم عمركما؟» تبادلا نظرة سريعة، ثم قال أحدهما: «عشرة… نحن توأم»، شعرت بأن قلبها انقبض حتى كاد يتوقف، سحبت نفسًا مرتعشًا وقالت: «ومتى عيد ميلادكما؟» أجاب الآخر دون تردد: «في الرابع عشر من نوفمبر»، في تلك اللحظة شعرت بأن الأرض تميد تحتها، الرابع عشر من نوفمبر، نفس اليوم، نفس التاريخ الذي حفرتْه في قلبها، اليوم الذي ولدت فيه توأميها، واليوم الذي قيل لها
فيه إن أحدهما مات والآخر اختفى في فوضى حريق غامض في المستشفى القديم، يومها كانت ضعيفة، مخدّرة، موقّعة على أوراق لم تقرأها، ومصدّقة أكاذيب قيلت لها بنبرة أطباء واثقة، حاولت الوقوف فسندت نفسها على الطاولة، اقترب النادل مرتبكًا، لكنها رفعت يدها دون أن تنظر إليه، نزلت إلى مستوى الطفلين، عيناها تمتلئان بدموع لم تسقط بعد، سألت: «من أين أنتما؟ من يعتني بكما؟» قال الأول وهو يشد يد أخيه: «لا أحد… ننام حيث نجد مكانًا، أحيانًا امرأة تعطينا خبزًا، وأحيانًا نعمل في تنظيف السيارات»، سألت بصوت بالكاد يُسمع: «هل لديكما أي شيء… أي علامة؟» رفع أحدهما كم قميصه الممزق ليظهر شامة صغيرة على شكل هلال قرب معصمه، صرخة مكتومة خرجت من صدرها، تلك الشامة نفسها، نفس المكان، كانت تقبّلها كل ليلة وهي رضيعة، لم يعد هناك شك، لم يعد هناك عقل، فقط قلب ينهار ويُعاد تركيبه في اللحظة نفسها، احتضنتهما فجأة، بقوة، وكأنها تخشى أن يختفيا إذا أفلتت ذراعيها، تجمّد الطفلان أول الأمر، ثم ببطء، وبدهشة، ردّا العناق، أحدهما قال بخفوت: «سيدتي؟» لكنها لم تستطع الكلام، كانت تبكي بصمت، بكاء ثقيل، بكاء ست سنوات دفعة واحدة، رفعت رأسها أخيرًا ونظرت إليهما وقالت: «أنا أمكما»، الكلمات خرجت غريبة، غير مصدقة حتى من فمها، تراجعا
خطوة، الارتباك والخوف في عيونهما، فقالت بسرعة وهي تمسح دموعها: «أعرف أن هذا مخيف، أعرف أنكم لا تعرفونني، لكنني أبحث عنكما منذ ست سنوات، لم أتوقف يومًا»، حاول أحد الزبائن الاعتراض، لكن نظرة واحدة منها أسكته، اتصلت بمحاميها، بالطبيب القديم، بالشرطة، وكل كلمة كانت تفتح بابًا مغلقًا، الحقيقة خرجت ببطء ثم بسرعة، شبكة فساد في المستشفى، أطفال يُباعون، حريق أُشعل لإخفاء الأدلة، أحد العاملين هرب بالتوأم عندما فشل البيع، ثم مات، وتركهما للشارع، ست سنوات من البرد والجوع والتيه، وست سنوات من امرأة تملك المال كله ولا تملك أبناءها، لم تغادر المطعم تلك الليلة كما دخلته، خرجت ويداها تمسكان بكنزها الحقيقي، لم تكن العودة سهلة، لم يثق الطفلان بسهولة، كانا يستيقظان ليلًا مذعورين، يخافان أن يُؤخذا مرة أخرى، لكنها كانت هناك كل مرة، بصبر، بحب، دون شروط، تعلمت كيف تعوّض دون أن تُغرق، كيف تقترب دون أن تخنق، وبعد أشهر، في ليلة هادئة، جلسا على السرير بين ذراعيها، قال أحدهما وهو يبتسم ابتسامة صغيرة خجولة: «ماما»، لم يكن في العالم كله صوت أغلى من ذلك، وبعد سنوات، عندما سُئلت عن أغلى استثمار في حياتها، لم تذكر الشركات ولا العقارات، بل قالت: «طبق طعام لم أتناوله… لأنه أعاد لي حياتي كاملة».