الرجل العسكري
كانت الأرضية الرخامية مصقولة لدرجة أنها تعكس أضواء السقف مثل بحيرة متجمدة، وكل خطوة عليها تُصدر صدى حادًا، محسوبًا، كأن المبنى نفسه يذكّر من يدخله بأن هذا المكان صُنع للسلطة، لا للرحمة. توقّف الرجل داخل الأبواب الزجاجية الثقيلة، وتردّد للحظة قصيرة لم يلاحظها أحد، لحظة لا يراها إلا من تعلّم أن يخفي ضعفه خلف وقفة ثابتة.
كان في الخامسة والخمسين، وربما أكبر من ذلك لو عُدّت السنوات التي لم تُكتب في دفاتر العمر. ظهره مستقيم على غير ما توحي به كتفاه المرهقتان، ووجهه يحمل خطوطًا لم تنحتها الشيخوخة وحدها، بل حفرتها صحارى بعيدة، وليالٍ بلا نوم، وقرارات اتُخذت حين كان الرجوع مستحيلًا. كان يرتدي الزي الرسمي للجيش الأمريكي، زيًّا كان فخرًا في يومٍ ما، لكنه الآن باهت، ممزق عند الكم، ملطخ ببقع قديمة لم تفلح كل محاولات الغسل في محوها. الميداليات اختفت، ليس لأنها سُحبت، بل لأنه باعها واحدة تلو الأخرى عندما صار الطعام خيارًا صعبًا. حذاؤه متشقق، جلده قاسٍ كأنه تعلّم القسوة من الطرق التي سار عليها.
بالنسبة لمن يمرون مسرعين، بدا خارج المكان تمامًا. وبالنسبة
في منتصف المكتب الفخم جلس مكتب الاستقبال كعرش حديث: حجر أبيض، حواف من الكروم، شاشة كمبيوتر متوهجة تعرض أرقامًا تنتقل بسرعة، أموال تُنقل في ساعات أكثر مما كسبه الرجل في عمر كامل. خلف المكتب جلست امرأة في أوائل الثلاثينات، شعرها مصفف بعناية متقنة، سترتها ناعمة خالية من أي تجعيدة، أظافرها حمراء لامعة، حادة كأنها إعلان دائم عن السيطرة. كانت أصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة شخص يؤمن أن الوقت عملة، وأن عليه حمايتها من أمثال هذا الرجل.
نظف الرجل حنجرته بهدوء.
لا رد.
انتظر. الصبر كان شيئًا زُرع فيه قبل أن يُبنى هذا المكان بسنوات طويلة.
أخيرًا رفعت عينيها. مسحته من الحذاء إلى الياقة، وتوقفت نظرتها لحظة أطول مما يلزم، كافية لتتخذ قرارًا لم تحاول حتى إخفاءه. اشمئزاز.
قالت بنبرة باردة:
"ماذا تريد؟"
ابتلع الرجل ريقه. صوته خرج هادئًا، لكنه مثقل.
"عندي موعد… أو على الأقل، قيل لي إن عليّ أن آتي إلى هنا."
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح.
"اسمك؟"
ذكر اسمه. كان اسمًا عاديًا، لا يلمع،
"مافيش أي مواعيد بالاسم ده. أكيد في غلط."
أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، رغم تهالكها. وضعها على المكتب دون أن يلمسها. نظرت إليها كما لو كانت شيئًا ملوثًا، ثم التقطتها بطرف إصبعين. قرأت، وتغيّر شيء صغير في عينيها، ليس احترامًا، بل مفاجأة خفيفة سرعان ما اختفت.
"استنى هنا."
مرت دقائق. ثم عشرات. الموظفون يمرون، النظرات تتسلل، بعضهم يشفق، أغلبهم يتجاهل. الرجل لم يتحرك. كان واقفًا كما وقف في طوابير أطول، في صحارى أبعد، تحت شمس لم ترحم.
أخيرًا، فُتح باب جانبي. خرج رجل في الأربعينات، بدلة فاخرة، ساعة تلمع بثمن منزل كامل. نظر إلى الواقف أمامه، وتصلّب للحظة. لم يكن يعرفه، لكن شيئًا في وقفته أيقظ ذكرى غير مريحة.
"حضرتك؟"
"أنا."
سادت لحظة صمت غريبة، ثم أشار الرجل بالبدلة:
"اتفضل."
في الداخل، كان المكتب أوسع، أفخم، يطل على المدينة من علٍ، كأن من يجلس هنا فوق الجميع. جلس صاحب البدلة، وطلب من الرجل أن يجلس. الرجل تردد، ثم جلس ببطء، كأن جسده لا يثق بالكراسي الناعمة.
"إحنا شركة استثمارية،" قال صاحب البدلة بنبرة
هزّ الرجل رأسه.
"أنا مش جاي أطلب صدقة."
سحب من جيبه ملفًا صغيرًا، مهترئ الحواف، ووضعه على الطاولة.
"من عشرين سنة، في مكان ما في الشرق الأوسط، وحدة أمريكية اتبعتت لمهمة ماكانش حد عايز يعترف بوجودها. المهمة فشلت. رجعنا أقل من اللي رحنا."
فتح الملف. صور. تقارير. أسماء مشطوبة.
"في اللي ماتوا. وفي اللي رجعوا، بس سابوا أرواحهم هناك."
تغيّر وجه الرجل الآخر.
"إنت بتتكلم عن إيه بالضبط؟"
"بتكلم عن شركة كانت اسمها غير كده وقتها. شركة وفرت معدات… معلومات… وباعتنا وهم. وبعدين لما كل حاجة وقعت، غيرت اسمها، وغيرت جلدها، وبقت برج زجاج."
سكت لحظة، ثم أكمل:
"أنا واحد من اللي اتقال عليهم أضرار جانبية."
نهض الرجل ذو البدلة واقفًا.
"الكلام ده خطير."
"الحقيقة دايمًا خطيرة."
سحب الرجل العسكري نفسًا عميقًا.
"أنا مش جاي أفضح. جاي آخد حقي. حق رجالة ماتت. وحق ناس لسه بتدفع تمن قرارات اتاخدت هنا، على مكاتب شبه ده."
ضحك الآخر بمرارة.
"فاكر إنك تقدر تعمل حاجة؟"
رفع الرجل عينيه، وفيهما هدوء مخيف.
"أنا فاكر إنكم بالفعل دفعتوا. من سنين. بس الفلوس
وقف، وجمع ملفه.