ابوها رماها في الصحرا لما جات بنت
أبوها رماها في الصحراء عشان جابت بنت والشمس يومها ما كانتش بتهزر ضربت الرمل نار وخَلّت الصحرا كأنها فرن مفتوح والهوا نفسه كان بيحرق الجلد وسط السكون اللي بقاله آلاف السنين طلع صوت فجأة مش صوت حيوان ولا حد تايه ده كان عياط طفلة لسه مولودة ملفوفة في خرقة قديمة مترمية تحت شجرة يابسة ما بتديش ظل من شوية بس كان في راجل طويل قلبه ناشف ركب حصانه ومشي من غير ما يبص وراه قال وهو سايبها ملهاش لازمة كان مستني ولد وارث اسم قوة لكن اللي جت كانت بنت وفي دماغه دي كانت غلطة ما تتغفرش سابها هناك مقتنع إن العطش أو الوحوش هيخلصوا عليها وإن الصحرا هتمسح أثرها للأبد بس نسي حاجة واحدة الصحرا مش دايمًا بتقتل أحيانًا بتحمي من بعيد وسط السراب ظهر جسم أبيض مش خيال حصان حصان وحيد شعره مليان تراب وعلى ضهره جروح قديمة الناس كانت بتسميه نيبلة حصان ما كانش ليه صاحب وما بيحبش البشر أول ما سمع العياط وقف نزل من فوق الكثبان واحدة واحدة قرب من الطفلة شَمّ الهوا وطّى راسه الكبير وبحركة هادية ما تصدقش على حجمه قعد جنبها وعمل بجسمه ضل حاميها من الشمس والساعات عدّت والحصان ما اتحركش الطفلة بدأت تبص حواليها عيونها لسه صغيرة لكنها حسّت بالأمان والدفا من جسمه الكبير والشامخ رغم كل الجروح اللي عليه بدأت تتصغر الدموع على وشها لما حسّت بلمسة الهواء اللي حواليها من الشمس العاتية نيبلة ظل واقف جمبها
الصحرا كبرت معاهم، مش بس رمل وحجر، بقوا يحسّوا بيها كأنها كائن حي، كل كثبان لها قلب وكل نسمة هواء لها روح والطاحونة القديمة اللي جنب النبع كانت زي ساكنة معاهم، الطفلة اللي بقت عندها خمس سنين بدأت تتعلم كل أسرار الصحرا نيبلة جنبها طول الوقت، شعره الأبيض مليان تراب وجروحه القديمة تحكي عن معارك قديمة هو مش بس حصان، ده معلم، حامي، صديق، وحتى أحيانًا كأنه أمها وأخوها في نفس الوقت. كل صباح، الشمس تطلع والحرارة تعلّي، الطفلة تطلع على ظهر نيبلة والنسيم يحرك شعرها وهي تتعلم تفرق بين الرمل اللي حار والرمل اللي يبرد بين الكثبان، كل صوت في الصحرا كان له معنى صوت الرياح اللي تمر بين الصخور الكبيرة صوت عواء الذئاب البعيدة صوت الطيور الصحراوية اللي تلمح من بعيد، نيبلة كان يفسر لها كل صوت ويعلمها الصبر والهدوء والذكاء.
الليالي كانت سحر، النجوم كانت زي آلاف العيون اللي تراقبهم
وفي يوم من الأيام، وسط سراب بعيد، ظهر قطيع من الذئاب، كانوا جائعين، والطفلة اتجمدت من الخوف، لكن نيبلة ما تحركش في الأول، وقف كأنه بيحسب كل خطوة، وبص بعينيه الكبيرة والبيضاء وقال للطفلة: "متتحركيش." الذئاب قربت لكن الحصان الأبيض وقف بينهم وبينها، جسمه الكبير مليان القوة والهيبة، الذئاب اتلخبطت وواحدة واحدة انسحبت وراها الباقي، الطفلة حسّت بقوة نيبلة، حسّت إن مهما صار، فيه حد دايمًا جنبها.
مرت السنين، الطفلة اتعلمت كل الأسرار، عرفّت إزاي تتواصل مع الحيوانات الصحراوية، عرفّت تفرق بين الغيم اللي يجيب مطر والغيم اللي يجي ريح عاتية، وتعلمت تبني ملاجئ صغيرة من الرمل والصخور تحميها من العواصف، كل حبة رمل كانت بالنسبة لها ذكرى وكل شجرة ميتة كانت شاهدة على حياتها. ونيبلة أصبح أكبر من مجرد حصان، أصبح رمز للصمود، كل مرة حد يشوف الطفلة وسط الصحراء مع الحصان الأبيض، يقولوا: "دي الأسطورة