نهى برقت وقالت بصوت ثابت خلى المأذون نفسه يرفع عينه من الدفتر: "غلطتي إنك فاكرة إن البيت بيت ابنك لوحده، وإن الست ملهاش غير سقف يتحدف عليها وقت ما تعوزوا تكسروها، البيت كان قائم عليا أنا كمان، على صبري وسكوتي وبلعي للإهانة عشان الولاد يكبروا في هدوء، بس الظاهر إن الهدوء اتفهم ضعف، والسكوت اتفهم خوف." أمي فتحت بوقها عشان ترد لكن نهى كملت وهي بتبصلي أنا المرة دي بنظرة ما فيهاش دمعة واحدة: "إنت فاكر إنك لما تطلقني كده قدام المأذون تبقى كسرتني؟ إنت كل اللي عملته إنك وريّتني حقيقتك وحقيقة اللي حواليك، وأنا كنت محتاجة اللحظة دي عشان أفوق." حسيت بشيء بيتحرك جوا صدري لأول مرة، حاجة شبه الشك، بس كبريائي كان واقف لي بالمرصاد، قلت ببرود: "خلصي يا نهى، خلينا نخلص المسرحية دي." ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة وقالت: "مسرحية؟ المسرحية كانت السنين اللي فاتت لما كنت بضحك قدام الناس وأقول جوزي طيب وأمه في مقام أمي وأنا كل يوم بتاكل فيا كلمة وتقلل مني عشان أرضيكم، كنت بقول لنفسي بكرة يتغير، بكرة يحس، بكرة يشوف تعبي، بس واضح إن بكرة عمره ما كان هييجي." حماتي كانت بتعيط بحرقة لكن نهى مسكت إيدها تطمنها وقالت: "متعيطيش يا ماما، يمكن ده الخير اللي إحنا مش شايفينه." المأذون
سعل بخفة وقال: "يا جماعة القرار لسه في إيدكم." أمي ردت بعصبية: "اكتب يا مولانا خلصنا." هنا نهى لفت نظرها للمأذون وقالت: "ثانية واحدة يا مولانا، قبل ما أوقع، بس سؤال." بص لها باستغراب، قالت وهي شايفة في عينيّ عناد عمره ما اتكسر: "إنت متأكد إنك بتطلق عشان أنا غلطت؟ ولا عشان تثبت إنك تقدر تكسرني وترجعني لما تعوز وأنا أبقى خاتم في صباعك؟" السؤال نزل عليّ زي صفعة، لأني عارف الإجابة، أنا فعلًا كنت عايز أذلها وأرجعها بشروطي، عايز أحس إني مسيطر، إن الكلمة كلمتي، وإنها مهما عملت هترجع تبوس إيدي عشان أرجعها، لكن قدام نظرتها الواضحة حسيت إني مكشوف، ومع ذلك قلت: "أنا حر، ده قراري." هزت راسها وقالت: "أيوه، حر، بس الحرية دي ليها تمن، وأنا مش هكون لعبة في إيد حد تاني." ومضت. صوت القلم كان حاسم، خلصت ومشت القلم للمأذون، وأنا نطقت الصيغة وقلبي حجر، أمي ابتسمت ابتسامة انتصار، وحماتي انهارت، ونهى وقفت مستقيمة كأنها أطول مننا كلنا، قالتلي آخر جملة قبل ما تمشي: "افتكر بس اللحظة دي كويس يا خالد، عشان لما تحب ترجّعني تبقى فاكر إني مش نفس الست اللي كانت قاعدة تعيط قدامك." خرجت من باب المكتب وإيدها في إيد أمها، وأنا فضلت واقف حاسس إني كسبت معركة وخسرت حاجة أكبر بكتير،
بس الكبر منعني أعترف. الأيام عدت، في الأول كنت ماشي وسط الناس مرفوع الراس، أمي بتجيب سيرتها باستخفاف، تقول دي ما كانتش تنفعنا، وأنا أوافقها وأضحك، وبعد شهر بدأت الوحدة تطرق عليا، البيت بقى فاضي بشكل يخنق، صوت العيال وهم بيسألوا على أمهم كان بيوجع أكتر من أي كلمة، كنت بقول لنفسي هتصبر شوية وترجع، هتضعف وتيجي تعتذر، بس الأيام كانت بتعدي من غير ما حد يخبط على الباب. عرفت من حد قريب إنها اشتغلت وابتدت تعتمد على نفسها، وإنها رافعة قضية نفقة ورؤية ومش ناوية تتنازل عن حقها، أول ما سمعت الخبر حسيت إن في حاجة بتتفلت من إيدي، رحت لأمي أقولها، قالتلي بعصبية: "سيبها تتهزق شوية وهترجع تجري." بس الشهور عدت وما رجعتش، بالعكس سمعت إنها مأجرة شقة صغيرة قريبة من شغلها، وإنها بترفض أي حد يحاول يتوسط عشان نرجع، لأول مرة بدأت أفهم إن اللي كنت فاكره ضعف كان صبر، وإن اللي كنت فاكره احتياج كان حب للبيت مش ليّ أنا، حاولت أتصل بيها مرة، ردت بهدوء غريب وقالت: "خير يا خالد؟" قولتلها نتكلم، قالت: "مفيش كلام بينا غير عن الولاد، والباقي خلاص خلص يوم ما اخترت تكسرني." قفلت السكة في وشي من غير صوت عالي ولا دموع، وده كان أقسى من ألف صرخة. الليالي بقت تقيلة، افتكر نظرتها قدام
المأذون، وافتكر جملة المأذون "أبغض الحلال عند الله الطلاق" وافتكر همسة أمي وهي بتقولي اجمد، وأسأل نفسي أنا كنت راجل فعلًا ولا كنت مجرد ابن بيحاول يرضي أمه على حساب بيته؟ مع الوقت، حتى أمي بدأت تشتكي من إن البيت فاضي ومفيش حد يخدمها زي ما كانت نهى بتعمل، وبقت تلمّحلي أتجوز، بس كل ما أشوف واحدة وأقارنها بيها أحس إن في حاجة ناقصة، مش لأنها كاملة، لكن لأنها كانت شريكة بجد وأنا حولتها لخصم عشان أرضي غروري. بعد سنة، شفتها صدفة في المحكمة يوم جلسة تخص الولاد، كانت لابسة بسيط لكن واثقة، ملامحها أهدى وأقوى، سلمت عليا باحترام من غير ما تطوّل،
حسيت إني أنا اللي صغير قدامها، حاولت أفتح موضوع الرجوع، بصتلي بنفس النظرة الأولى بس المرة دي فيها شفقة وقالت: "أنا سامحتك عشان أرتاح، بس مش هرجع لنقطة وجعتني وكسرتني، اتعلمت أعيش من غير ما أستنى حد يديني قيمتي." ساعتها بس فهمت إن اللي كنت عايزه درس ليها طلع درس ليّ أنا، وإن الكسر لما بيحصل مش دايمًا بيتصلّح، وإن الرجولة مش في إنك تقول كلمة وتمشيها، الرجولة إنك تحتوي وتحافظ، وأنا يومها قدام المأذون اخترت أكون قاسي بدل ما أكون إنسان، وفضلت أعيش ببقايا صوت القلم وهو بيخربش على الورق شاهد على لحظة كسرت بيها بيتي بإيدي.