كانو واقفين
كـانوا واقفيـن بيتفرجـوا عليـه وهو بيـرزع أمـي بالقلـم وهي في الشـهر التامـن.. خمسـين ضحـكة صـفرا، وخمسـين لسـان متخيـط بالصمـت...أنا كان عندي ١٨ سنة، واقف ببدلتي جديدة ، وصوت كف أبويـا وهو بينزل على وش أمـي رن في القاعة أقـوى من صرخة "الكمانجـا" اللي كانت شغالة في الخلفيـة....
الصـالة الكبـيرة في فـيلا"رفعت الـشامي" كانت بتـلمع بالنجـف الكريـستال وصـواني الشربـات، بس "كريـمة".. أمـي.. كانت هي الـحاجة الوحيـدة اللي شاغلـة عينـي في الحفـلة الكـدابة دي....
أبويا، "رفعـت بيه الشامي"، متهزش ولا حتى اتهزت له شعرة. عدل زراير قميصه الذهب بمنتهى البرود كأنه دلق كباية مية مش كسر خاطر ست حامل....
وطى عليها وبفحيح أفعى قالها:
"مش عايـز فضـايح قـدام النـاس"
صوته كان واطي بس وصل لودني زي السم....
حصري على روايات و اقتباسات
أمي بصت لي، عيونها كانت غرقانة دموع بس فيها ثبات يوجع القلب. خطيت خطوة لقدام وقولتله:
"يا بابا.. كفاية."
لف لي بضحكة زي الموس:
"ياسين.. إنت في بيتي، ودي مراتي، وقوانيني هي اللي بتمشي."
حوالينا، أكابـر البـلد، من رجـال أعـمال لسياسـيين، كلهم بـصوا في كباياتهم وعملوا نفسهم مش سامعين.
فيه واحدة منهم ضحكت ضحكة مكتومة، كأن اللي حصل ده "نمرة" مضحكة في السهرة. الدم غلي في عروقي...
مسكت إيد أمي، كانت متلجة وبتترعش. قولت بقوة:
"إحـنا مـاشيين."
إيد أبويا قبضت على كتفي بقوة وجعاني:
"اقعـد مكانـك."
صوته كان هادي، وهدوءه ده هو اللي
"عايـز تعمـل فـيها بطـل؟ افتكـر إن الأبطـال مبـيورثوش يا ابـن الشـامي."
لمحت أختـي الصغـيرة، "نـور"، مستخبية ورا فازة ورد كبيرة، عيونها كانت مرعوبة...هي لسه عندها ٨ سنين، فاكرة إن الكبار هم اللي بيحموا الصغيرين.
في اللحظة دي عرفت إن مفيش حد هينجدنا.. لا الحرس، ولا الضيوف، ولا حتى "أصحاب العمر".
أمي همست لي: "يا ياسيـن.. عشان خاطـري بـلاش."
بلعت ريقي وبصيت لها: "يـا ماما، أنا مـش هبقـى زيهـم." وشاورت بوشي على "المعازيم" اللي واقفة تتفرج بصمت.
"أنا هخرجـك من هـنا.. وعـد."
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
أبويا قرب مني، كان وشه في وشي، وريحة السيجار الغالي "معششة" في نفسه وكاتمة على صوته وهو بيوشوشني:
"إنت فاكـر إنك تـقدر تقف قصـادي؟ أنا اللي بنـيت السـوق ده، وأنا اللـي سايقـه..."
بصيت لعلامة صوابعه اللي بدأت تحمر وتورم على وش أمي، وحسيت بحاجة استقرت في صدري.. حاجة باردة وقوية. قولتله بكلمة واحدة: "ورينـي..."
وبعد ١٠ سنيـن...
زقيـت الملـفات والورق اللي فيها "بـلاوي" السنـين على تربـيزة المحكـمة، وعيني جات في عين أبـويا...
هو لسه بكبريائه الزايف، بص لي بسخرية وهمس:
"متـقدرش تعـملها.. إنـت لسه عـيل."
قربت منه بابتسامة هادية وقولتله:
"أنا عملـتها خلاص يا رفعت بـيه.. والشـركة اللي إنت سايقـها، العفـشة بتاعتـها فكـت."
إمبراطـورية "الشامـي" بدأت تتهز وتتشرخ قدام عينه.. والشاهد الجاي في القضية هو اللي هيحط المسمار الأخير
في
أمي كانت قاعدة جمبي، إيدي في إيدها، ونور صغيرة قاعدة قدامنا، شايلة لعبتها القديمة، عيونها مليانة دموع بس ابتسامة صغيرة بتقول: "إحنا نجينا."
الشاهد اللي كنا مستنيينه… كان موظف صغير جدًا في الشركة، محدش كان شايفه قبل كده. كل سنين التلاعب والرشاوى والتلاعب بالعقول كان هو شايفها كلها، ومسجّلها. لما رفع الملف وحطّه على الطاولة، كل ورقة كانت صاعقة. صور، إيصالات، تسجيلات صوتية… كل دليل على فساد "رفعت الشامي" وانتهاكاته للناس اللي حواليه.
هو حاول يضحك، حاول يستخف، حاول يهدد، لكن محدش كان بيسمعه. صمت القاعة كان أقوى من أي صرخة. وعي الناس اللي كانوا موجودين في حفلة الماضي، كلهم كانوا بيتفرجوا دلوقتي على سقوطه… سقوط إمبراطورية كاملة.
أنا بقيت واقف جمب أمي، حسيت إن كل الألم اللي اتأذينا منه، كل الصدمة، كل الظلم… اتحول لطاقة واحدة، قوة واحدة. رفعت بيه حاول يحرك أي حد في القاعة، يلقى أي سند… بس محدش اتحرك. كل اللي حواليه كانوا شايفين الحقيقة بعينهم.
وأنا بصيت في وشه، قلت بصوت هادي لكن مليان حزم:
"خلصت اللعبة يا أبويا… الحقيقة هتحكم."
القاضي نطق بالحكم، وكان أقوى يوم
رفعت بيه وقف، وجهه مليان غطرسة وكبرياء زايف، بس المرة دي كان عاجز… مفيش تهديد، مفيش خوف، مفيش سيطرة. كل الناس اللي كانوا بيحسدوه وبيخافوا منه، بقوا بيتفرجوا عليه وهو بيتساقط.
أمي ابتسمت، دموعها كانت مليانة رضا وسلام داخلي، ونور ركضت وجريت تحضنني، ضحكتها الصغيرة مليانة فرحة. حسيت إن كل شيء اتغير… الحرية كانت أخيرًا حقيقة، مش كلمة.
بعد الحكم، بدأت حياة جديدة. أنا وأمي ونور انتقلنا لمكان بعيد، بعيد عن كل الذكريات المؤلمة. بدأت أبني مشروع صغير بنفسي، مشروع نزيه، مشروع الناس فيه بتحترمنا، مشروع بعيد عن النفوذ والفساد.
أما رفعت الشامي، فكل حاجة كانت بتنهار حواليه. الشركة اللي بناها بالرشاوى، الأموات، والضغط على الناس، اتفضحت. الناس اللي كانوا بيشتغلوا معاه بدأوا يبعدوا، والبعض اتهموه في قضايا تانية. الإمبراطورية بتاعته اللي كان فاكر إنها هتعيش للأبد… انتهت.
وأنا واقف قدام مرآتي بعد سنين، فاكر كل اللحظات اللي عدت… الألم، الخوف، الصدمات… بس بدل من تحسّ بالهزيمة، حسيت بالقوة. كل مرة حد يقابلني، كل مرة الدنيا تحاول تظلم حد، فاكر نفسي، وأفتكر صوت أمي وهمستلي:
"يا ياسين… مش لازم تبقى زيهم."
وفي اللحظة دي فهمت… الحقيقة والعدل ممكن يكونوا بطيئين، بس لما ييجوا… مفيش حاجة توقفهم. كل مجهود، كل دموع، كل صبر، كان بيبني اللحظة دي… اللحظة اللي فيها