حدث في المستشفي
صحيت من البنج بعد عملية طوارئ، وجسمي كله كان تقيل كأنه متغطي بطبقة رصاص. نور الأوضة أبيض حاد، وصوت جهاز ضربات القلب جنب السرير كان بيعمل "بيب… بيب…" بانتظام، لكن في دماغي كان فيه اسم واحد بس بيتكرر: ياسين. ابني الصغير اللي عنده أربع سنين. حاولت أبلع ريقي، بس زوري كان مولع من أثر الأنبوبة اللي دخلت وقت العملية. إيدي كانت مربوطة بالمحاليل، ومع ذلك مدت بصعوبة ناحية الموبايل اللي الممرضة حطته على الكومودينو. كنت متخيلة إني هفتح ألاقي عشرات الرسائل من أمي: "ياسين تمام"، "بيضحك دلوقتي"، "نايم". أو حتى صورة ليه وهو ماسك دبدوبه الأزرق اللي بينام بيه كل ليلة. لكن لما فتحت الموبايل، الشاشة كانت فاضية بشكل يخوف. لا رسالة… ولا مكالمة… ولا حتى صورة واحدة. في اللحظة دي حسيت قلبي اتقبض كأن حد عصره بإيده. فتحت بسرعة تطبيق كاميرات البيت، وأنا بقول لنفسي يمكن يكونوا نايمين ومش حابين يزعجوني. ظهرت صورة الصالة… والساعة كانت 10:14 بالليل. البيت كله ضلمة. وعلى الكنبة كان فيه جسم صغير متكور، ماسك في دبدوبه القديم وباصص حواليه بخوف. كان ياسين. ابني لوحده في البيت. الدم اتجمد في عروقي. رجعت التسجيل لورا بإيد بتترعش، والدموع بدأت تنزل من غير ما أحس. الساعة 7:00 مساءً ظهر أبويا وأمي وهم داخلين البيت معاه. أمي رمت الشنطة على الترابيزة، وشاورت لياسين يقعد على الكنبة. أبويا كان مستعجل بشكل واضح، واقف عند الباب وبيبص في ساعته. ياسين كان بيقول حاجة، بس الصوت مكنش واضح. بعدها بدقيقة… الاتنين خرجوا. والباب اتقفل من بره بتكة واضحة. سابوه. سابوا طفل عنده أربع سنين لوحده في بيت ضلمة. جهاز ضربات القلب جنبي بدأ يصفر بجنون، والممرضات جريوا عليا، لكن أنا كنت شايفة بس الشاشة. ياسين قاعد لوحده، بيص في صباعه، وبيحضن الدبدوب كأنه آخر حاجة في الدنيا. حاولت أتصل بأمي… مقفول. بأبويا… مقفول. كلمت أختي… برضه مقفول. في لحظة اليأس دي افتكرت الشخص الوحيد اللي أهلي طول عمرهم بيعملوا له ألف حساب: ستّي إجلال. كلمتها وأنا بنهار. أول ما سمعت صوتي قالت: "في إيه يا كلارا؟" قلت لها وأنا بشهق: "سابوا ياسين… قفلوا عليه البيت وسافروا." سكتت ثواني. ثواني تقيلة كأنها دهر. وبعدين قالت بصوت بارد: "اهدي. أنا هتصرف." بعدها بنص ساعة بس، الكاميرا سجّلت باب البيت بيتفتح
بعد ما خرجت من المستشفى بأسبوعين، كنت لسه بحاول أستوعب كل اللي حصل. البيت بقى أهدى من زمان، بس الهدوء ده كان فيه حاجة تقيلة… كأن الحيطان نفسها فاكرة اللي حصل. ياسين بقى ينام جنبي كل ليلة، حتى لو كان سريره في أوضته. أول كام ليلة كان يصحى مفزوع ويقول:
"ماما… النور سيبيه مفتوح."
كنت أبتسم وأقوله:
"مفيش حد هيقفل عليك الباب تاني يا حبيبي… أنا هنا."
بس الحقيقة إن الليلة دي سابت أثر في قلبي أنا كمان.
ستّي إجلال بقت تزورنا كل يوم تقريبًا. كانت تدخل البيت بعكازها وصوت خبطه المميز على الأرض، وياسين يجري عليها فورًا هو بيضحك. الغريب إن الراجل الصغير اللي كان مرعوب في الكاميرا بقى دلوقتي متعلق بيها بشكل كبير، كأنه حس إن دي الست اللي أنقذته بجد.
لكن رغم إن ستّي سحبت البلاغ رسميًا، الأخبار وصلت لأهلي إن التوكيلات اتلغت فعلًا… والشقق اللي كانوا قاعدين فيها بقت باسمها تاني. وده كان أول مرة في حياتهم يحسوا إن الأرض ممكن تتسحب من تحت رجليهم.
بعد شهر تقريبًا، كنت قاعدة في الصالة مع ياسين بنلعب بالمكعبات، وفجأة جرس الباب رن. فتحت… لقيت أمي واقفة. وشها كان شاحب وعينيها حمراء كأنها ما نامتش من أيام.
وقفت قدامي شوية من غير كلام… وبعدين قالت بصوت واطي:
"ممكن أدخل؟"
سكت لحظة، وبعدين فتحت الباب. دخلت ببطء كأنها داخلة بيت غريب. أول ما شافت ياسين، عينيها دمعت. قعدت على ركبتها وقالت له:
"حبيبي… وحشتني."
ياسين بص لي الأول… كأنه بيستأذن. هزيت راسي إني موافقة. قرب منها ببطء، لكنها أول ما حاولت تحضنه، هو شد الدبدوب بتاعه أكتر في وسألها:
"إنتي هتمشي وتسيبيني تاني؟"
السؤال ده وقع على الأوضة كلها زي حجر. أمي اتجمدت مكانها، والدموع نزلت من عينيها فجأة. حاولت تتكلم لكن صوتها خانها.
أنا نفسي حسيت حاجة اتكسرت جوايا… لأن طفل أربع سنين بس قدر يلخص كل اللي حصل في سؤال واحد.
أمي بصت لي وقالت:
"أنا غلطت يا كلارا… غلطت غلطة عمري."
لكن قبل
ستّي إجلال كانت واقفة عند باب الشقة.
واضح إنها طلعت وراها على طول.
دخلت ببطء وبصت لأمي نظرة طويلة، وقالت:
"الاعتذار سهل… بس الثقة لما تتكسر بتاخد عمر عشان ترجع."
أمي مسحت دموعها وقالت:
"أنا مستعدة أعمل أي حاجة… بس خلوني أشوف حفيدي."
ستّي سكتت شوية… وبعدين بصت لياسين اللي كان مستخبي نصه ورايا.
قالت له بهدوء:
"إيه رأيك يا بطل؟"
ياسين فكر شوية… وبعدين قال بجملة بريئة:
"هي تقعد شوية… بس ما تقفلش الباب."
الجملة دي خلت الكل يسكت.
ستّي ابتسمت ابتسامة خفيفة… أول مرة أشوفها من يوم اللي حصل.
قالت:
"يبقى الباب هيفضل مفتوح."
ومن اليوم ده بدأت حاجة غريبة تحصل.
أمي بقت تيجي كل يوم تقريبًا، لكن مش كضيفة… كأنها بتحاول تكسب ثقة طفل صغير خطوة خطوة. كانت تجيب له ألوان، وتلعب معاه، وتقرأ له قصص قبل ما تمشي.
وفي كل مرة كانت تسيب الباب مفتوح فعلًا.
لكن الحقيقة إن التغيير الأكبر حصل بعد حوالي ست شهور.
في يوم كنا قاعدين كلنا في بيت ستّي إجلال، وياسين كان بيلعب في الجنينة. فجأة ستّي نادتنا كلنا على الصالة.
كان المحامي قاعد معاها.
قالت بهدوء:
"أنا كبرت… ولازم أرتب كل حاجة قبل ما أمشي."
قلبي انقبض لما سمعت الكلمة.
كملت كلامها وقالت:
"البيوت والأملاك اتحولت رسميًا باسم كلارا وياسين… زي ما قلت قبل كده."
أمي وأبويا كانوا قاعدين ساكتين… كأنهم قبلوا المصير.
لكن ستّي رفعت إيدها وقالت:
"بس في شرط."
الكل بص لها.
قالت:
"البيت الكبير ده… هيبقى بيت العيلة. أي حد منكم عايز يدخله… لازم يفتكر اللي حصل ليلة ما طفل اتساب لوحده."
سكتت لحظة… وبعدين قالت الجملة اللي عمري ما هانساها:
"العيلة مش كلمة… العيلة مسؤولية."
في اللحظة دي، ياسين جري من الجنينة ودخل الصالة وهو بيضحك. مسك إيد ستّي وقال:
"تيتا… تعالي شوفي القلعة اللي بنيتها!"
ستّي قامت بالعكاز وبصت له بابتسامة حنينة.
ولأول مرة من زمان… حسيت إن البيت ده، بكل اللي مر بيه، ممكن فعلاً يبقى مكان آمن تاني.
لكن وأنا ببص لياسين وهو بيضحك، عرفت حاجة مهمة جدًا…
الليلة اللي اتساب فيها لوحده في الضلمة كانت أسوأ لحظة في حياتي…
لكنها كمان كانت اللحظة اللي كشفت لنا كل الحقيقة…
وخلت كل واحد في العيلة يعرف مكانه الحقيقي.
ومن ساعتها… ولا
تمت
الهواري