لما روحت استلم مشيره محمد
لما رحت أستلم بنتي من المدرسة، لقيت إن أبويا وأمي كانوا جايين ياخدوا أولاد أختي، وركبوا العربية قدامها على طول. لما ليلي جريت على العربية زي كل يوم مستنية يوصّلوها البيت، أمي فتحت الشباك وقالتلها ببرود تمشي وترجع لوحدها تحت المطر.
ليلي فضلت ترجّاهم وتقولهم إن المسافة بعيدة وإن المطر شديد، بس ولا كأنهم سامعينها… سابوها ومشيوا، وسايبين طفلتي اللي عندها 6 سنين واقفة لوحدها، مبلولة وبتعيط.
كنت وقتها في اجتماع شغل خاص بالميزانية، وفجأة الموبايل اهتز. كانت جارتنا الست باترسون. قالتلي إن ليلي واقفة قدام المدرسة غرقانة ميّة وبتعيط، وإن حصل موقف غريب مع أبويا وأمي. خرجت فورًا. المطر كان بيخبط في إزاز العربية وأنا سايقة، وقلبي مليان قلق.
لما وصلت، كانت الست باترسون واقفة حاطة شمسية فوق ليلي. شنطة بنتي كانت مبلولة، وشعرها لازق في وشها، وجسمها الصغير بيترعش من البرد. أول ما شافتني جريت حضنتني. وبين العياط قالتلي اللي حصل: جدو وجدتها وصلوا زي العادة، لكن بدل ما يركّبوها قالوا إن مفيش مكان… ومشيوا، وأختي ميراندا وأولادها قاعدين مرتاحين جوه العربية.
لفّيت ليلي في معطفي وشغلت التدفئة وسقت على البيت وأنا جوايا غضب رهيب. الموضوع ماكنش سوء تفاهم. ده كان أوضح مثال للمحاباة اللي كنت بشوفها منهم بقالها سنين. طول عمرهم بيفضلوا أختي ميراندا… لكن إنهم يسيبوا بنتي لوحدها وسط عاصفة؟ دي كانت حاجة ماقدرش أعديها.
أول ما وصلنا البيت، ملّيت البانيو ميّة سخنة لليلي وعملت لها كوباية شوكولاتة سخنة لحد ما جسمها بدأ
مشيره_محمد
لسنين طويلة كنت أنا اللي بصرف على أبويا وأمي وأختي. كنت بدفع معظم أقساط البيت بتاعهم، وأقساط العربيات، والتأمين الصحي، وفواتير كتير كل شهر. كمان كنت بدفع مصاريف مدارس أولاد أختي الخاصة، وبساعدهم في إيجار العربيات، والإجازات، وكل مصاريف "الطوارئ".
المجموع كان تقريبًا 90 ألف دولار في السنة. خلال أربع سنين بس… كنت دافعة لهم أكتر من 370 ألف دولار.
وفي الآخر… سابوا بنتي في المطر.
في اللحظة دي فهمت كل حاجة. قعدت واحدة واحدة أوقف كل حاجة: تحويلات قسط البيت، أقساط العربيات، التأمين، مصاريف المدارس… لغيت كل المدفوعات التلقائية. لأول مرة شفت بوضوح قد إيه كانوا مستغليني.
لما جوزي ديفيد راجع الأرقام معايا، ما انتقدنيش. قاللي إن أنا مش غبية… أنا بس كنت كريمة مع ناس ماقدروش ده.
الليلة دي ماعرفتش أنام. صوت ليلي وهي بترتعش فضل يرن في ودني.
تاني يوم خدتها نفطر سوا. كانت بتضحك وهي بتاكل البان كيك زي أي طفلة عندها 6 سنين. لكن وإحنا ماشيين في الباركينج سألتني بصوت واطي:
مشيره_محمد
"هو جدو وتيتا زعلانين مننا؟"
شرحت لها الحقيقة بأهدى طريقة أقدر عليها: إنهم أخدوا قرار غلط… وإن ده مش ذنبها خالص. حضنتني جامد وقالتلي إنها بتحبني. في اللحظة دي قراري بقى واضح تمامًا.
بعت رسالة أخيرة لأبويا وأمي وأختي: بعد اللي عملوه مع ليلي، أنا وقفت كل الفلوس فورًا. ومن دلوقتي يعتمدوا على نفسهم… ومش عايزة أي تواصل تاني لا
وبعدها… قفلت الموبايل.
بعد ما قفلت الموبايل، حسّيت كأن جبل اتشال من على صدري… لكن في نفس الوقت كان جوايا وجع كبير.
مهما حصل، دول في الآخر أهلي. بس اللي عملوه مع بنتي كسر حاجة جوايا مش هتتصلّح بسهولة.
عدّت يومين بهدوء غريب.
ولا مكالمات… ولا رسائل… ولا حتى محاولة اعتذار.
اليوم التالت، الموبايل رن.
كان رقم أختي ميراندا.
رديت وأنا متوقعة اعتذار… لكن أول ما فتحت الخط سمعتها بتقول بعصبية:
"إيه اللي انتي عملتيه ده؟! البنك كلمني إن قسط العربية ما اتدفعش!"
اتجمدت لحظة، وبعدين قلت بهدوء:
"أيوه… ما اتدفعش."
سكتت ثواني وبعدين قالت:
"انتي بتهزري؟! العربية ممكن تتسحب!"
رديت:
"مش مسئوليتي."
صوتها على فجأة:
"يعني إيه مش مسئوليتك؟! انتي طول عمرك اللي بتدفعي!"
قلت ببرود:
"كنت بدفع… قبل ما تسيبوا بنتي واقفة تحت المطر."
سكتت… وبعدين قالت بحدة:
"أوف بقى! الموضوع ده صغير وانتي مكبراه!"
الكلمة دي ولّعت الدم في عروقي.
قلت لها:
"صغير؟ طفلة عندها 6 سنين واقفة لوحدها في عاصفة… ده صغير؟"
ما ردتش.
قفلت الخط وأنا متأكدة إن قراري كان صح.
لكن المفاجأة حصلت بعدها بيوم.
كنت راجعة من الشغل، لقيت عربية أبويا واقفة قدام بيتي.
قلبي دق بسرعة.
أول ما نزلت من العربية لقيت أمي واقفة قدام الباب، وشكلها متوتر.
قالت:
"ممكن نتكلم؟"
بصيت لها ثواني… وبعدين قلت:
"اتفضلوا."
دخلوا الصالة وقعدوا في هدوء غريب.
أبويا كان باصص في الأرض… وأمي كانت بتعصر إيديها بتوتر.
بعد شوية أبويا اتكلم أخيرًا:
"إحنا غلطنا."
بصيت
كمل:
"العربية كانت مليانة… وأولاد ميراندا كانوا زعلانين… فقلنا ليلي تمشي… ما كناش فاكرين المطر هيبقى شديد كده."
قلت ببرود:
"هي عندها ست سنين."
سكت.
أمي قالت بسرعة:
"إحنا آسفين."
لكن الغريب إن كلمة "آسفين" ما حركتش حاجة جوايا.
قلت لهم:
"الفلوس مش هترجع."
بصوا لبعض.
أبويا قال بتوتر:
"بس البيت… والقروض…"
قاطعته بهدوء:
"كنتوا فاكرين إن اللي بيدفع لازم يتحمل كل حاجة… حتى إهمالكم لبنتي."
سكتوا.
قمت وقفت وقلت:
"أنا سامحتكم… بس مش هينفع ترجعوا لحياتي زي الأول."
أمي سألت بصوت واطي:
"يعني مش هنشوف ليلي؟"
سكت لحظة… وبعدين قلت:
"مش دلوقتي."
في اللحظة دي الباب اتفتح… وليلي خرجت من أوضتها وهي ماسكة الدبدوب بتاعها.
وقفت وبصت لهم.
قالت بهدوء بريء:
"جدو؟ تيتا؟"
أمي عيطت فورًا.
لكن ليلي قربت مني ومسكت إيدي.
وبصت لهم وقالت جملة خلت الصمت يملأ المكان:
"أنا زعلت منكم… عشان سبتوني في المطر."
أبويا ما قدرش يرد.
بعد شوية قاموا ومشوا بهدوء.
من يومها حياتي اتغيرت.
مشيت الأمور بصعوبة في الأول… لكني حسّيت براحة لأول مرة من سنين.
بطلت أكون البنك اللي الكل معتمد عليه… وبدأت أركز على حياتي أنا وبنتي.
ومرت شهور…
وفي يوم كنت بعمل الغدا، جالي ظرف بالبريد.
فتحته… لقيت شيك صغير ورسالة مكتوبة بخط أبويا.
كان مكتوب فيها:
"يمكن ما نقدرش نصلّح اللي حصل… لكن بنحاول نتعلم. الفلوس دي أول قسط بنرجعلك جزء من اللي دفعتيه لينا.
وإحنا لسه مستنيين اليوم اللي تسامحينا فيه بجد."
قفلت الرسالة وبصيت لليلي وهي بتلعب
ابتسمت بهدوء.
يمكن الجرح ما يختفيش بسهولة…
لكن أحيانًا…
أصعب الدروس هي اللي بتخلي الناس تتغير.