قابلت ست بقلم الهواري
قابلت ست في يوم، قعدنا ندردش عادي جدًا، واحدة طيبة وباين عليها الهدوء… لكن عينيها كانت شايلة تعب سنين.
فجأة، وهي بتتكلم، صوتها اتغيّر وقالت: — "أنا عايزة أحكيلك حاجة… بس متخافش مني."
استغربت وقلت لها بهزار: — "هو أنا لسه شفت حاجة تخوّف؟ اتفضلي قولي."
بصت حواليها كأنها خايفة حد يسمع، وقربت مني وقالت بصوت واطي: — "جوزي… بيتحوّل."
ضحكت وقلت: — "يتحوّل إزاي يعني؟"
قالت وهي بتبلع ريقها: — "في لحظة معينة… مش بيبقى هو… وبيأذيني."
افتكرت إنها بتبالغ، أو يمكن مشكلة عادية بينهم، لكن اللي حصل بعدها خلاني أسكت خالص.
من غير كلام… رفعت طرف هدومها شوية، وورّتني آثار واضحة… علامات قديمة متكررة… وآثار حديثة لسه مأثرة.
اتجمدت مكاني.
قلت: — "يا فوزية… إيه ده؟!"
قالت وهي بتنهج: — "بقالي سنين على الحال ده… وكل مرة يقول غصب عنه."
حاولت
قالت بحزن: — "بحاول… بس في اللحظة دي بالذات… بيبقى كأنه مش سامعني."
الكلام فضل في دماغي أيام…
لحد ما الصدفة خلتني أقابل جوزها "منصور".
أول ما شوفته، حسيت بحاجة غريبة… مش شكله… لكن حضوره نفسه.
كان هادي زيادة عن اللزوم… ونظراته سريعة ومتوترة، كأنه بيراقب كل حاجة حوالينه.
سلم عليّ بحرارة، وقعدنا نتكلم.
كنت بحاول أتعامل عادي، لكن مكنتش قادر أتجاهل إحساسي إن في حاجة غلط.
وسط الكلام، قلت له: — "شكلك شايل هم يا منصور."
سكت شوية… وبعدين قال: — "في حاجة جوايا… بتغلبني."
صوته كان صادق بشكل يخوّف.
سألته: — "حاجة إيه؟"
بص بعيد، وقال: — "مش بعرف أتحكم في نفسي أوقات… وبندم بعدها جدًا."
قربت منه بالكلام، وقلت: — "طب فكرت ليه ده بيحصل؟"
هنا، ملامحه اتغيرت…
وقال: — "يمكن بسبب زمان… وأنا صغير.
بدأ يحكي…
قال إن جده كان راجل غريب، بيحب تربية حيوانات شرسة، وكان شايف إن القوة أهم من أي حاجة.
منصور وهو صغير، كان دايمًا حواليهم… يشوف تصرفاتهم… وطريقة التعامل معاهم.
وفي يوم…
اتعرض لموقف صعب جدًا، فضّل محفور جواه.
قال: — "من يومها… وأنا حاسس إن في حاجة اتزرعت جوايا… حاجة بتظهر لما بحب حد أو بقرب منه."
سكت… وبصلي وقال: — "أنا مش وحش… بس أنا مش فاهم نفسي."
الكلام كان صادم… بس منطقي.
رجعت لفوزية، وحكيت لها اللي فهمته.
قالت بدموع: — "يعني أنا أستحمل؟"
قلت لها بحزم: — "لا… تفهمي آه، إنما تستحملي أذى لأ."
— "طب أعمل إيه؟"
— "العلاج… لازم يتعالج."
في الأول، منصور رفض تمامًا.
كان شايف إن الموضوع عيب، أو ضعف.
لكن مع الوقت، ومع ضغط فوزية، وافق.
بدأ جلسات مع دكتور…
في الأول كان ساكت، مش عايز يتكلم… لكن واحدة واحدة، بدأ
اتكلم عن طفولته… عن خوفه… عن المواقف اللي محدش سمعها قبل كده.
بدأ يفهم إن اللي جواه مش "طبيعة"… لكن أثر قديم متراكم.
الدكتور بدأ معاه خطوة خطوة:
يعلمه إزاي يلاحظ نفسه… إزاي يوقف قبل ما يتصرف… وإزاي يفصل بين مشاعره وردود أفعاله.
الموضوع ما كانش سهل…
كان فيه انتكاسات…
ولحظات ضعف…
بس الفرق إن المرة دي، منصور بقى واعي.
بقى يعرف إمتى يقف.
فوزية كمان اتغيرت…
بقت أقوى.
وقالت له بوضوح: — "أنا جنبك… بس مش على حساب نفسي."
عدت شهور…
والتغيير بدأ يبان.
الألم قل… والخوف اختفى تدريجيًا…
والبيت اللي كان مليان توتر… بدأ يرجع فيه هدوء.
آخر مرة شفت فوزية…
كانت بتبتسم.
مش الابتسامة اللي بتداري وجع…
لا… ابتسامة حقيقية.
قالت لي: — "أول مرة أحس إني آمنة."
وساعتها فهمت حاجة مهمة…
إن مش كل حاجة غريبة معناها شر…
ولا كل أذى معناه قسوة…
أحيانًا…
محتاج يتشاف… ويتفهم… ويتعالج.