جوزي

لمحة نيوز

جوزي كان بياخد ابننا الرضيع عمر يتمشى بيه كل يوم بعد العصر… غصب عني تقريبًا.
كان دايمًا يقولّي: "سيبيني أخرّجه شوية علشان ترتاحي."
وكنت فعلًا بارتاح… أقعد لوحدي، أشرب قهوتي، وأحس إني رجعت لنفسي شوية.
يمكن… كنت مرتاحة زيادة عن اللزوم.
لحد ليلة… نسي موبايله.
كان خارج مستعجل كعادته، وسابه على الترابيزة. مسكته وأنا مترددة… بس جوايا إحساس غريب.
لبست الجاكيت بسرعة، ونزلت وراه.
بس الغريب… إنه ما كانش ماشي في طريقه المعتاد.
مش الشارع اللي بيروحه كل يوم… ولا المكان اللي متعودة عليه.
فضلت ماشية وراه من بعيد… لحد ما وقف.
وفجأة… ظهرت واحدة.
بنت سمرا… جميلة جدًا.
قربت منه… وباسته على خده بشكل تلقائي كأن ده عادي جدًا بينهم.
وقتها قلبي دق بعنف.
بصّت جوه عربية البيبي… وابتسمت.
وبعدين مشيوا سوا… كإنهم عيلة.
وقفت مكاني… مش فاهمة حاجة.
حسّيت بغثيان… بس حاولت أهدّي نفسي.
قلت: "يمكن قريبة… يمكن معرفة قديمة… يمكن أنا ببالغ."
ورجعت البيت… بس عقلي ما سكتش.
فضلت الليلة كلها أفكر.
ليه ما قاليش؟ ليه التصرف ده كان طبيعي بينهم كده؟
ومن هنا… قررت أعرف الحقيقة.
في يوم… عملت خطة.
بدّلت عمر بدُمية شبهه… وحطّيت جهاز تسجيل صغير جوه عربية البيبي.
واديتهاله زي كل يوم… وكأني ولا عارفة حاجة.
عدّت

أول خمس دقايق… عادي.
عشر دقايق…
وفجأة… الصوت اشتغل.
وقتها… الدم اتجمّد في عروقي.
سمعتها بتقول: "هي مش شاكّة في أي حاجة."
قلبي وقع.
وبصوت مهزوز… الست ردّت وقالت:
"أنا مش قادرة أستحمل أكتر من كده يا كريم… كل يوم تجيبه ونقعد نتصرف كإننا عيلة… وبعدين ترجعه تاني كأن مفيش حاجة!"
كريم اتنهد وقال: "أعمل إيه؟ ده ابني… ودي مراتي… وأنا بحاول أساعدك بس الموضوع كبر مني."
الست كملت وهي صوتها بيترعش: "أنا كنت فاكرة إني هقدر أسيطر على نفسي… بس تعلّقت بيه أوي… بقيت أستناه كل يوم."
في اللحظة دي… ما استحملتش.
نزلت جري… وروحت لهم.
فتحت باب العربية بعنف ووقفت قدامهم.
كريم اتفزع: "إنتي هنا بتعملي إيه؟!"
بصيت له بغضب ودموعي في عيني: "أنا اللي أسأل! مين دي؟ وإزاي ابني بقى بيروح عندها كل يوم؟!"
الست قامت، باين عليها الانهيار… وقالت بهدوء موجوع: "أنا مش بأخده منك… أنا بس كنت محتاجة أحس إني أم."
سكتنا لحظة…
كريم بصلي وقال: "لازم تعرفي الحقيقة… أنا غلطت إني مخبي عليكي."
قعدنا… وقلبي بيدق بسرعة.
قال: "دي واحدة كانت بتمر بحالة نفسية صعبة جدًا بعد ما فقدت طفلها… ومن خلال ناس مشتركة عرفتها… والدكتور بتاعها قال إن وجود طفل لفترة بسيطة ممكن يساعدها تتحسن."
الست دموعها نزلت: "أنا ما كانش قصدي
أأذيك… بس لما شفت ابنك… حسّيت إني عايشة تاني."
صرخت: "بس ده ابني أنا! إزاي تاخده من غير ما أعرف؟!"
كريم نزل راسه: "أنا آسف… كنت فاكر إني بعمل حاجة كويسة… ومكنتش متخيل إني بأذيكي."
وقفت ساكتة شوية…
ببص لها… مكسورة.
وببص لابني… بريء.
شيلته في حضني وقلت بحزم: "أنا حاسة بيكي… بس ابني مش علاج لحد."
وبصيت لكريم: "وأنت كسرت ثقتي."
وسبتهم ومشيت.
بعد أيام… قعدت مع كريم واتكلمنا بهدوء.
حطّيت حدود واضحة: مفيش حاجة تخص ابني تحصل من غير علمي. وأي مساعدة لحد… تكون من غير ما يدخل ابني في الموضوع.
كريم وافق واعتذر… وكان واضح إنه ندمان.
والست؟ بدأت علاج نفسي بجد… وبقت تتحسن يوم ورا يوم.
وأنا؟
اتعلمت إن الطيبة لو زادت… ممكن تتحول لأذى.
وإن الثقة… مش بس نية كويسة.
الثقة… صدق.وكأن الحكاية خلصت عند كده… بس الحقيقة لأ.
عدّى أسبوع… والبيت كان هادي بشكل غريب.
كريم بقى حريص في كل حاجة… ما بقاش يخرج بعمر لوحده، وكل خطوة بقى يقولّي عليها.
بس رغم ده… جوايا حاجة اتكسرت.
مش غضب بس… وجع صامت.
كنت ببص له أوقات وأسأل نفسي: "هو لو ما كنتش عرفت… كان هيكمل كده قد إيه؟"
وفي يوم… لقيته قاعد جنبي بهدوء وقال: "أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية… بس أنا فعلًا اتعلمت درسي."
سكت شوية وكمل: "أنا كنت فاكر
إني بعمل خير… بس ما فكرتش فيكي ولا في إحساسك… وده أكبر غلط عملته."
بصيت له من غير ما أتكلم.
كان واضح عليه الندم… بس الثقة مش بترجع بسهولة.
بعدها بكام يوم… حصل موقف غيّر حاجة جوايا.
كنت نازلة أنا وعمر… ولقيت نفس الست واقفة بعيد.
أول ما شافتني… ترددت تمشي.
بس أنا اللي ناديت عليها.
قربت وهي متوترة جدًا: "أنا آسفة… والله ما كان قصدي—"
وقفتها بهدوء وقلت: "أنا عارفة إنك موجوعة… بس اللي حصل كان غلط."
دموعها نزلت وقالت: "أنا بدأت علاج بجد… وبحاول أرجع لنفسي… من غير ما أتعلق بحاجة مش بتاعتي."
بصّيت لها شوية… وحسّيت إنها صادقة.
قلت لها: "كمّلي في علاجك… علشان نفسك، مش علشان أي حد."
هزّت راسها ومشيت.
رجعت البيت يومها… وحسّيت إني خفّيت شوية.
مش علشان نسيت… لكن علشان فهمت.
فهمت إن أوقات… اللي قدامنا بيغلط مش لأنه وحش، لكن لأنه مش واعي كفاية.
بعد فترة… بدأت أنا وكريم نرجّع الكلام بينا واحدة واحدة.
مش زي الأول… بس أحسن من السكوت.
اتفقنا نحاول من جديد… بس بشروط: صراحة كاملة، ومافيش حاجة تتخبّى مهما كانت بسيطة.
ومع الوقت… ابتسمت تاني.
يمكن مش بنفس البراءة القديمة… بس بقوة أكبر.
وأهم حاجة… إني بقيت عارفة أحمي نفسي، وأحمي ابني، وأحط حدود لأي حد… حتى لو كان أقرب الناس ليا.
وفي
الآخر… اتعلمت درس مهم:
مش كل اللي بيكسرنا… بيكون نهاية.
أوقات… بيكون بداية لنسخة أقوى مننا.

تم نسخ الرابط