طول عمري موظف بقلم نور محمد
طول عمري موظف حسابات على قدي. ٣٠ سنة خدمة في الحكومة، بطلع من البيت ٧ الصبح وبرجع ٣ العصر، مليش في اللف والدوران، ولا عمري مديت إيدي لقرش حرام. هدفي في الدنيا كان الستر.. بس الكلمة دي طلعت غالية أوي.
بنتي الكبيرة نورهان اتقدم لها عريس لقطة. مهندس في شركة خاصة، وعيلته مستواهم المادي مرتاح. يوم قراية الفاتحة، حسيت إن الدنيا بتضحكلي، بنتي هتتجوز وتعيش مرتاحة، مش هتشوف الأيام الناشفة اللي أنا وأمها عشناها.
بس من هنا، بدأ الكابوس اللي ملوش آخر.
في الاتفاق، والد العريس قالي بابتسامة سمجة إحنا هنجيب شقة تمليك في مكان راقي، وعشان إحنا شاريين، مش هنختلف على الباقي، العفش بالنص، والأجهزة عليكم.
كلام يبان مريح، بس لما نزلنا على أرض الواقع، لقيت نفسي داخل في دوامة مكنتش عامل حسابها.
نورهان بدأت تقارن نفسها ببنات خالاتها وأصحابها.
يا بابا، المطبخ لازم يكون أكريليك مش خشب عادي، ده الموضة.
يا بابا، التلاجة ال ١٤ قدم دي بقت بيئة أوي، أنا عايزة ال ٤ باب.
إزاي هجيب شاشتين بس؟ ده أنا شقتي ريسبشن ٣ قطع، لازم شاشة في كل أوضة!
كل مرة كنت بحاول أفرملها وأقولها يا بنتي نمشي على قدنا، العريس أهله مرتاحين بس أبوكي موظف، كانت أمها ترد بسرعة إنت عايز تصغرنا قدام النسايب؟ عايزهم يعايروها إنها
تتكسر عينها.. الكلمة دي كانت بتخليني أسكت وأبلع ريقي اللي نشف.
عشان أجهز نورهان بالمستوى اللي يرضي غرورها ويخرس النسايب، مكافأة نهاية الخدمة بتاعتي مكملتش تمن الأجهزة الكهربائية.
اضطريت أعمل اللي عمري ما تخيلت إني هعمله. روحت لواحد من تجار الأجهزة اللي بيبيعوا بالقسط، وطلبت منه يجهزلي بنتي.
الراجل بصلي من فوق لتحت وقالي مفيش مشكلة يا أستاذ، بس الفايدة ٤٠٪، وهتمضي على إيصالات أمانة على بياض.
إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك القلم. أنا الراجل اللي عمره ما دخل قسم شرطة، بمضي على ورقة ممكن تحبسني في أي لحظة. بس لما تخيلت ضحكة بنتي وهي بتفرش شقتها، مضيت.
يوم الفرح، القاعة كانت خيال. إضاءة، وبوفيه مفتوح، ونورهان لابسة فستان بألوفات، بترقص وتضحك من قلبها. الناس كلها كانت بتسلم عليا وتقولي بسم الله ما شاء الله، شرفت بنتك وعملتلها فرح يتحاكى بيه الكل.
كانوا بيشوفوا بدلتي المتأجرة، ومكنوش شايفين الهم اللي واكل قلبي. أنا مكنتش برقص في الفرح، أنا كنت بحسب هسدد قسط التاجر إزاي، وقرض البنك إزاي، وجمعية أم مصطفى إزاي.
عدى شهر العسل.. وعدت الشهور.
بقيت بشتغل بعد الضهر كاشير في سوبر ماركت لحد نص الليل عشان ألاحق على الديون. خسيت
لحد ما جيه اليوم اللي صحيت فيه على تليفون من نورهان، بتعيط وبتصرخ.
روحتلها جري. لقيتها قاعدة في الصالة، وعريسها اللقطة واقف بيشتمها بأبشع الألفاظ.
المشكلة مكنتش خيانة ولا حاجة كبيرة.. المشكلة كانت إنها طلبت منه فلوس زيادة، وهو رفض، فالكلام جاب بعضه، وضربها.
حاولت أتدخل وأهديه، فبصلي باحتقار وقالي بنتك دي طماعة وعينها فارغة، مفكرة نفسها بنت ذوات وهي جاية من بيت شحاتين. دي حتى قسط التلاجة اللي هي جايباها بيبعتولها رسايل بيه على تليفونها!
الكلمة نزلت على راسي زي حجر تقيل. عرفت إن كل الفلوس اللي استلفتها، وكل الكرامة اللي أهدرتها عشان أكبرها قدامه.. كانت على الفاضي.
خدت بنتي في إيدي، ونزلت بيها على بيتي. قلتلها طلاقك هيوصلك، والقايمة هنجيبها بالمحاكم.
عدى على رجوعها شهر. ميعاد القسط بتاع التاجر جه وممعييش أدفع. رن عليا وهددني إنه هيقدم إيصالات الأمانة اللي على بياض للنيابة وهيحبسني.
بقيت قاعد في الصالة كل يوم بالليل، ببص للباب، قلبي بيقع في رجلي خايف من أي خبطة، مستني محضر المحكمة أو بوكس الشرطة ييجي ياخدني من وسط بيتي وفضيحتي تبقى بجلاجل.
وفي ليلة، الساعة ٢
رنة طويلة وراها تخبيط مرعب.
أم نورهان طلعت تجري من الأوضة بتترعش، ونورهان وقفت وراها بتعيط.
قلت في سري خلاص.. النهاية جت، والتاجر نفذ تهديده.
مشيت بخطوات تقيلة، سحبت المفتاح وفتحت الباب ببطء وأنا موطي راسي مستني أشوف أمين الشرطة..
لكن لما رفعت عيني.. الصدمة شلت لساني وخلت الدم يهرب من عروقي.
اللي كان واقف قدام الباب مكنش الشرطة، ومكنش التاجر..
اللي كان واقف هو شخص مستحيل أتخيله في الموقف ده، وكان ماسك في إيده إيصالات الأمانة بتاعتي اللي مضيتها على بياض، وبصلي بابتسامة خبيثة وقال جملة واحدة خلتني أدرك إن الكابوس الحقيقي لسه هيبدأ حالا...
الكاتبه_نور_محمد
الراجل مدّ إيده قدامي بالإيصالات وقال بهدوء مرعب
أنا مش جاي أحبسك أنا جاي أخلّصك.
الكلمة كانت أغرب من التهديد نفسه.
رفعت عيني أبص في وشه كويس وقلبي دق بعنف لما عرفته.
ده كان والد العريس.
نفس الابتسامة السمجة بس المرة دي مفيهاش أي مجاملة، كلها شماتة.
قلتله بصوت مبحوح إنت إنت جاي تعمل إيه هنا؟
رد وهو داخل البيت من غير ما يستأذن، كأنه صاحب المكان جاي أريحك من وجع الدماغ وأريح نفسي برضه.
أم نورهان مسكت في دراعي في إيه يا حاج؟ هو عايز إيه؟
بص لها ببرود وقال عايز بنتك.
الكلمة نزلت زي الصاعقة.
نورهان
قعد على الكنبة وحط الإيصالات