كنت يبتسم بقلم زيزي
كنت ببتسم وأنا قاعد في فرح بنتي نورهان، لحد ما اللحظة دي خلت الفرح كله يقلب لحاجة تانية خالص حاجة شبه فخ.
الفرح كان جميل في الأول. كنا في قاعة أفراح فخمة في مصر الجديدة، ورد أبيض مالي الترابيزات، وإضاءة دافية نازلة من السقف، والمزيكا الهادية شغالة في الخلفية. نورهان كانت واقفة مع عريسها محمود تحت قوس الورد، بيقولوا وعودهم لبعض. كانت شبه أمها الله يرحمها، نفس الهدوء ونفس البساطة اللي كانت دايمًا تميّزها.
محمود كان شكله شيك ومهذب قدام الناس، بس أنا من جوايا عمري ما ارتحتله. في ناس كده تحس إنهم بيحبوا نفسهم زيادة عن اللزوم.
بس رغم كده حاولت أدي نفسي فرصة. عشان نورهان.
أنا اللي دفعت الفرح كله القاعة، الأكل، الفرقة، وحتى البوفيه المفتوح اللي أمه فاطمة أصرت عليه وقالت إنه لازم يبقى فرح يليق بالناس الكبار. وكانت دايمًا بتلمّح بكلام يبان حلو بس جواه إهانة
نورهان بنت محترمة بس لسه هتتعلم يعني إيه بيت بجد.
ونورهان كانت بتضحك وتعدّي الكلام.
بس أنا كنت بسجله جوايا.
بعد ما كتبوا الكتاب، الناس قامت
ساعتها فاطمة قامت، وحطت قدامها علبة هدية مخمل، وابتسمت ابتسامة غريبة.
وقالت
للعروسة.
نورهان ابتسمت بأدب وفتحت العلبة قدام الناس.
اللي طلع منها كان يونيفورم خدامة لبس شغل تنظيف بيت.
القاعة كلها سكتت فجأة.
ثانية صمت تقيلة.
وبعدين محمود ضحك.
ضحكة حقيقية، مش توتر.
وقال وهو مرتاح
ممتاز ده بالظبط اللي هتحتاجه في بيتها.
وش نورهان اتكسر قدام الكل. عينيها دمعت، شفايفها رجفت، وكل قوتها انهارت في ثانية.
ساعتها أنا قمت من مكاني بهدوء.
صوت الكرسي كان أعلى من أي صوت في القاعة.
مشيت ناحية ترابيزة العرسان، وحطيت جنب العلبة المخملية بتاعتهم علبة تانية صغيرة خشب.
وقلت
غريب أنا كمان جايب هدية.
فاطمة بصتلي باستغراب
هدية إيه دي؟
قولتلها بهدوء
افتحيها.
فتحت الصندوق
جواه كان فيه صور رسائل، ومسجل صوت، وملف قانوني كبير مكتوب عليه بخط واضح
نقل ملكية شقة عيلة الجارحي ساري فورًا.
وتحتهم ورقة مكتوبة بإيدي
بما إنكم عايزينها
وفي اللحظة دي القاعة كلها نسيت تتنفس القاعة فضلت ساكتة لثواني، كأن الزمن وقف.
محمود بص للملف اللي في إيد أمه، وبعدين بصلي، وابتسامته اللي كانت واثقة بدأت تهتز.
إيه ده؟ قالها بصوت أقل من الأول.
فاطمة حاولت تضحك
كيد ستات ده أكيد حاجة مفبركة.
بس إيدها كانت بتترعش وهي بتقلب الورق.
الصور كانت واضحة رسائل، مكالمات، وتحويلات فلوس، وتواريخ كلها راكبة على بعض. ومش بس كده التسجيل الصوتي اللي في المسجل كان شغال لوحده.
صوت محمود.
سيبك منها شوية لما تمضي على القايمة الأول نبقى نشوف موضوع الشغل بعد الجواز.
الصوت نزل على القاعة زي حجر تقيل.
نورهان بصتله مش بدموع بس، لأ، بنظرة كأنها أول مرة تشوفه.
إنت كنت بتخطط لكل ده؟ قالتها بصوت مكسور.
محمود فتح بقه يقاطعها، بس مفيش كلمة طلعت.
أنا قربت خطوة وقلت بهدوء
أنا ما جيبتش الكلام ده عشان أفضح حد. أنا جيبته عشان أحمي بنتي.
وبصيت لفاطمة
اللي إنتي عملتيه في أول الفرح كان رسالة. وأنا رديت برسالة أوضح.
ساعتها مدير القاعة
فاطمة فجأة رفعت راسها وقالت بعصبية
إنت عايز تعمل إيه؟ تبوّظ الفرح؟
ابتسمت ابتسامة قصيرة
الفرح اتبهدل من بدري أنا بس كنت مستني اللحظة الصح.
بصيت لنورهان وقلت
قومي يا بنتي.
نورهان كانت واقفة مش قادرة تتحرك، بس لما سمعت صوتي، أخدت خطوة صغيرة.
محمود قال بسرعة
نورهان استني ده سوء فهم!
لكن صوتي قطع كلامه
اللي بيحترم بيته ما يهينش مراته قدام الناس.
سكت.
الناس بدأت تتحرك بارتباك، في همسات، وفي ناس بدأت تقوم تمشي.
ونورهان بصتله آخر مرة نظرة طويلة، تقيلة، وبعدها مسحت دموعها بإيدها لأول مرة بهدوء.
ومشت ناحيتي.
في اللحظة دي، القاعة كلها اتقسمت ناس مصدومة، وناس بتحاول تفهم، وناس بتخرج من غير ما تبص وراها.
أما أنا كنت ماشي جنب بنتي، والملف لسه في إيدي.
ووراينا، الفرح اللي كان متخطط يبقى بداية كان بيتهد في صمت كامل خرجنا من القاعة، والهواء البارد في الشارع كان أول مرة أحسّه حقيقي بعد السخونة اللي جوا.
نورهان كانت ماشية جنبي من غير ما تتكلم.
وراءنا، باب القاعة