جوزي عمل حادثة بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

جوزى عمل حادثه كبيرة وقعد فى البيت من غير شغل وأنا مكنش عندى أى مؤهلات ولا شهاده 
فاضطريت أنى أنزل اشتغل أى حاجة عشان اصرف عليه وعلى ولادى واشتغلت بدل الشغلانه اتنين 
الصبح عامله نضافه وبليل عامله نضافه فى مول من المولات الكبيرة 
كنت بصحى احضر الفطار لجوزى وللاولاد وبعدها انزل الشغل وارجع تانى احضر الغدا قبل معاد شغلى التانى 
واروح بليل أروق الشقه وأحيانا بجيب معايا من المول العشا 
فضلت كده ٦ شهور ووقتها جوزى بدأ فى العلاج الطبيعي كنت باخده يوم اجازتى اوديه وكنت بشيله لانه مش بيقدر يمشى 
مرت الست شهور تقال كأنهم ست سنين، نفيسة جسمها اللي كان "عفي" بدأ يتهد، وشها دبل، وإيديها اللي كانت ناعمة خشنت من المنظفات والمساحيق لدرجة إنها بقت تشقق وتنزف. في الأول، كان رأفت بيبوس إيدها كل يوم ويقولها: "أنا من غيرك ولا حاجة يا نفيسة، شيلتيني في وقت الكل رماني فيه". كانت تبتسم بوجع وتقوله: "إحنا واحد يا أبو العيال، المهم تقوم بالسلامة".
لكن مع أول خطوة مشاها رأفت في العلاج الطبيعي، ومع أول مرة قدر يسند فيها طوله، قلبه قسي. كأنه كان عاوز يداري عجزه القديم بكسرة نفسها هي.
في ليلة، رجعت نفيسة من المول الساعة ٢ بالليل، جسمها كله بيترعش من البرد وهدة الحيل، وكانت جايبة معاها كيس فيه عشا. دخلت لقت رأفت قاعد بيتفرج على التلفزيون وصوته عالي. حطيت الأكل قدامه وهي مش قادرة تفرد ضهرها، وقالت بتعب: "الحمد لله يا رأفت، النهاردة كان يوم صعب قوي في المول، الممرات مكنتش بتخلص".
بص لها رأفت من فوق لتحت ببرود، وعينه جت على لبسها المبهدل وإيدها اللي لونها غير من الكلور والمساحيق، وقال بنبرة خلت جسمها يقشعر:
"ما هو ده شغلك يا نفيسة، ولا عاوزة تقعدي واللقمة تجيلك لحد عندك؟ وبعدين إيه المنظر اللي

إنتِ فيه ده؟ بقيتي شبه الممسحة اللي بتجري بيها في المول.. اهتمي بنفسك شوية بدل القرف ده، الواحد مبقاش طايق يبص في وشك!"
نفيسة وقفت مكانها، الكلمة لجمتها لدرجة إنها حست ببرودة المول كلها اتجمعت في صدرها. بصت لإيدها المتشقة اللي لسه ريحة الكلور فواحة منها، وبعدين بصت لرأفت اللي كان من كام شهر بيبكي تحت رجليها عشان ترفعه.
#الكاتبه_امانى_سيد 
نفيسة ما ردّتش.
مش لأن مفيش كلام يتقال… لكن لأن الكلام نفسه كان بيخنقها.
حست للحظة إن الأوضة اللي هي واقفة فيها ضاقت، وإن الهواء بقى تقيل على صدرها. بصت له تاني، يمكن تدور في عينه على نفس الراجل اللي كان بيبكي زمان وهو بيقولها "أنا من غيرك ولا حاجة".
لكنها ما لقتش غير واحد غريب… بيبص لها كأنها خدامة مش مراته.
حطت الكيس على الترابيزة بهدوء غريب، هدوء مش طبيعي على واحدة رجليها بتتهز من التعب.
وقالت بصوت واطي: "لو المنظر مش عاجبك… أنا ممكن أوقف الشغل."
ضحك رأفت ضحكة قصيرة، فيها سخرية مرة: "وهنعيش إزاي يعني؟ ولا ناوية تفتحي جمعية خيرية علينا؟"
سكتت ثواني.
وفي السكون ده، حاجة جواها اتكسرت… بس حاجة تانية اتولدت.
قالت وهي باصة في الأرض: "أنا ماكنتش شغالة عشانك… أنا كنت بشيل البيت ده كله على ضهري عشان ما يقعش."
رفع عينه عليها لأول مرة بتركيز.
كملت: "وأول ما وقفت على رجلك… نسيت إن في حد كان شايلك وإنت مش قادر حتى تقف."
الصمت بقى تقيل.
الأطفال في الأوضة التانية كانوا ساكتين، كأنهم حاسين إن في حاجة كبيرة بتتغير.
رأفت قام ببطء، مسك طرف الترابيزة بإيده اللي لسه ضعيفة، وقال بنبرة أهدى شوية: "أنا… ما قصدتش أجرحك."
نفيسة ضحكت ضحكة صغيرة، مش ضحكة فرح… ضحكة وجع: "بس اتجرحت خلاص."
سابت الأكل مكانه، ومسحت إيديها في طرف هدومها، وقالت: "أنا هدخل أغير هدومي… وأرتاح."
دخلت أوضتها
وقفلت الباب.
لكن اللي جواها ما كانش "راحة"…
كان قرار.
تاني يوم الصبح، لأول مرة نفيسة ما قامتش تعمل فطار بدري.
رأفت صحي مستغرب.
الأولاد بيجرو: "ماما فين؟"
قام وهو حاسس بحاجة مش مفهومة… مش جوع، ولا تعب… إحساس إن البيت ناقصه حاجة أساسية.
دخل الأوضة.
لقاها قاعدة على طرف السرير، شنطة صغيرة مفتوحة قدامها.
قال بسرعة: "إيه ده؟ رايحة فين؟"
رفعت عينها له، نظرة هادية بشكل مخيف: "مش رايحة… أنا بس هوقف الشغل بتاع التاني."
"ليه؟"
سكتت لحظة، وبعدين قالت: "عشان لو كملت كده… هفضل عايشة ومش عايشة."
قرب منها خطوة: "طب والبيت؟ والعيال؟"
ردت بهدوء: "البيت عمره ما كان بيت مبني على واحدة بتقع كل يوم ومحدش حاسس بيها."
الكلمة دي وقعت عليه زي حجر.
في الأيام اللي بعدها…
البيت اتغير.
الأكل بقى أقل انتظام.
الأطفال بقوا يسألوا أسئلة كتير.
ورأفت… بدأ يشوف حاجات عمره ما شافها وهو مشغول في نفسه: إيديها المتشققة. ضهرها اللي مش قادر ينسى الانحناء. عيونها اللي بقت دايمًا فيها تعب صامت.
وفي يوم…
لما حاول يقوم بنفسه ويجيب ميه لنفسه لأول مرة من غير ما يناديها…
وقع الكوباية من إيده.
وهو بيبص للزجاج المكسور على الأرض…
افتكر جملة نفيسة: "أنا اللي كنت بشيلك وإنت مش قادر حتى تقف."
وساعتها بس… فهم متأخر جدًا.
إن اللي اتكسر مش الكوباية.
اللي اتكسر… هو اللي كان مفروض يتصلح من زمان.رأفت قعد على الأرض جنب الزجاج المكسور، مش قادر يقوم بسرعة زي الأول. إيده كانت لسه بترتعش، بس المرة دي مش من المرض… من الإحساس.
نفيسة من الأوضة سمعت الصوت، لكن ما خرجتش.
دي أول مرة ما تجريش عليه.
السكوت كان بيكبر بين الجدران.
رأفت بص للكوباية المكسورة وقال لنفسه بصوت واطي: "هي كانت شايلة كل ده لوحدها… وأنا كنت أفتكر إن ده طبيعي."
قام بصعوبة، شال الزجاج بإيده رغم
الألم، وراح يرميه.
بس وهو ماشي، عينه جت على مرآة الصالة.
وقف فجأة.
شاف نفسه.
راجل كان زمان بيقعد على الكرسي مش قادر يتحرك… دلوقتي واقف… لكن مكسور من جوه أكتر من قبل.
في نفس اللحظة…
نفيسة كانت قاعدة على السرير، ماسكة شنطتها، بس مش بتلم حاجتها.
كانت بتلم عمرها.
كل سنة عدّت وهي بتجري بين شغل وبيت وعلاج ووجع… كانت بتحاول تفضل واقفة.
بس الكلمة اللي قالها لها إمبارح كانت زي آخر دفعة.
"الممسحة اللي بتجري بيها في المول…"
الجملة دي مش بس جرحتها…
دي كسرت حاجة جواها كانت ماسكاها عشان البيت ما يقعش.
فجأة سمعت خبط خفيف على الباب.
"نفيسة… ممكن أدخل؟"
صوت رأفت.
ما ردتش.
ثواني… الباب اتفتح بهدوء.
دخل وهو ماشي بخطوات بطيئة.
وقف عند الباب، مش عارف يقرب أكتر.
قال بصوت مختلف… مكسور لأول مرة: "أنا مش جاي ألومك… أنا جاي أقولك إني فاهم متأخر."
نفيسة فضلت باصة قدامها.
كمل: "أنا كنت فاكر إنك مكملة طبيعي… كنت فاكر إنك أقوى من كده… لحد ما نسيت إنك إنسانة."
سكت لحظة، وبعدين قال: "أنا شُفت نفسي في المراية… وكرهت اللي شُفته."
رفعت عينها له أخيرًا.
بس النظرة دي كانت أبرد من أي صراخ.
قالت بهدوء: "وأنا شوفت نفسي في عينيك… وكرهت إني فضلت."
الكلمة وقعت عليه تقيل.
اقترب خطوة، صوته ارتجف: "أنا هتغير… والله هتغير."
ضحكت ضحكة قصيرة مرة: "التغيير مش كلمة… التغيير إنك ما تكسّرش حد وهو واقف عشانك."
سكت.
وفي اللحظة دي…
خبط شديد على الباب الرئيسي للبيت.
مرة… اتنين… تلاتة.
الاتنين بصوا لبعض.
نفيسة همست: "إحنا مستنيين حد؟"
رأفت هز راسه: "لا…"
الخبط زاد.
وبعدين صوت رجل غريب من بره: "افتحوا… في بلاغ جاي على الاسم ده."
نفيسة قلبها دق بسرعة.
رأفت اتجمد في مكانه.
وببطء… بصوا للباب.
وكأن اللي جاي مش مجرد زيارة…
ده فصل جديد داخل على البيت من
غير استئذان.
رأفت قرب من الباب، وإيده على المقبض، وعيونه على نفيسة اللي واقفة ساكتة.
همس: "تفتكري مين؟"

تم نسخ الرابط