كان بيمثل موته بقلم زيزي
كان بيُمثّل موته علشان يختبر ولاء اللي حواليه… بس واحدة غريبة هي اللي جرأت تنقذ حياته
باب الأسانسير في الدور الواحد وتلاتين اتفتح بصوت خفيف. أول ما الباب اتفتح، “كريم الدسوقي” وقع فجأة على الأرض.
دي ما كانتش وقعة عادية. هو كان مخطط لكل حاجة. طول عمره كده.
ركبتيه خبطوا في بعض، مسك صدره بإيده، وسيب موبايله يقع على الأرض الرخام بصوت واضح. وبعدها ساب جسمه ينزل لحد ما قعد مسنود على الحيطة الزجاج، راسه ميلة، ونفسه بيطلع بالعافية.
الساعة 10:17 صباحًا… يوم تلات مشمس في القاهرة.
كان عارف كل تفصيلة: 27 موظف موجودين في الدور ده، وهو متأكد بنفسه.
كل حاجة كانت متخططة: التوقيت، الحركات، وحتى السكوت.
لأنه من ست شهور، سؤال واحد مش سايبه:
يوم ما قلبه وقف لمدة 40 ثانية وهو في اجتماع… محدش كان جنبه. عامل نظافة هو اللي لقاه بالصدفة. مش صحابه، ولا خطيبته، ولا أقرب الناس ليه في الشغل.
ومن ساعتها والفكرة بتاكل دماغه:
لو اختفيت بجد… مين هيهتم؟
فقرر يعرف بنفسه.
وهو على الأرض، عينه نص مفتوحة، بدأ يعد:
واحد…
اتنين…
تلاتة…
مفيش حاجة.
لا صريخ، ولا جري، بس ناس واقفة من بعيد… بتتفرج بس، كأن التدخل
أربعة…
خمسة…
حاجة جواه اتكسرت بهدوء.
ستة…
وفجأة… صوت خطوات.
سريعة.
بس مش خطوات مدير ولا موظف مهم.
حد تاني.
وهي ظهرت.
“نادية عبد الرحمن” ما كانتش اسمها معروف في الشركة. شغالة في شركة نظافة متعاقدة بقالها 7 سنين.
34 سنة… شعرها مربوط بسرعة… وإيديها لسه مبلولة.
كانت خارجة من الحمام لما سمعت صوت الموبايل وهو بيخبط في الأرض.
لفّت بسرعة… وشافته.
مافكرتش.
جريت عليه.
ركبتيها لمست الأرض الساقعة، حطت إيد على جبينه والتانية على رقبته تدور على النبض بدقة.
رفعت راسها وصوتها عالي في الممر:
— حد يكلم الإسعاف فورًا! اشتباه جلطة! العنوان كامل بسرعة!
صوتها ما كانش فيه أي رعشة.
واحد اتحرك…
بس ببطء.الهدوء اللي كان مالي الدور بدأ يتكسر تدريجيًا.
نادية فضلت ضاغطة بإصابعها على نبض “كريم”، ملامحها مركزة بشكل يخوف، كأنها مش أول مرة تتعامل مع حالة زي دي.
— مفيش وقت! حد يجيب جهاز صدمات أو أي حاجة! بسرعة! — صرخت تاني.
اتنين من الموظفين اتحركوا أخيرًا… واحد فيهم كلم الأمن، والتاني واقف مش عارف يقرب ولا يبعد.
لكن لسه في ناس واقفة بتتفرج… كأن الموضوع مش ليهم.
نادية بصت لهم بعصبية:
— انتو مستنيين
الصوت كان حاد، غريب على حد شغال تنظيف… لكن أقوى من أي مدير في الدور ده.
كريم كان حاسس بكل حاجة وهو مغمض عينه نص غمضة.
كل نفس بيخرجه محسوب… كل حركة حواليه محفوظة.
لكن اللي شدّه مش رد فعل الموظفين…
اللي شدّه هي.
مش بس لأنها ساعدت… لكن لأنها كانت الوحيدة اللي ما ترددتش لحظة.
ولا بصت لحد قبل ما تقرر تتحرك.
بعد دقيقتين، الأمن وصل، ووراهم الإسعاف اللي اتطلبت بسرعة.
واحد من الأمن حاول يبعد نادية:
— خلاص يا فندم إحنا هنا…
لكن هي بصتله بحدة:
— مش خلاص! لسه مفيش استقرار! سيبوني دقيقة!
نبرة صوتها خلت الراجل يسكت غصب عنه.
—
في اللحظة دي، كريم قرر يكمّل اختبار صغير…
فتح عينه فجأة.
نظرة سريعة… ضعيفة… كأنه بيحاول يلتقط أنفاسه.
كل اللي حواليه اتجمد.
لكن نادية كانت أول واحدة لاحظت التغير.
قربت منه فورًا، صوتها أخف:
— ركّز معايا… اسمك إيه؟
سؤال بسيط… بس جواه ضغط.
كريم اتردد جزء من الثانية… مش لأنها صعبة… لكن لأنه كان مستغرب.
هي مش بتصرخ… مش بتنهار… هي بتقيّم حالته.
—
قبل ما يرد، فجأة…
نادية مالت على ودنه وقالت بصوت واطي جدًا:
— متحاولش تتحرك لوحدك…
الجملة دي خلت قلبه يقف فعلًا للحظة.
مش من التمثيل…
لكن من الصدمة.
هي لاحظت.
—
الإسعاف بدأ تحضيره على النقالة، والموظفين أخيرًا بقوا بيتحركوا بشكل حقيقي.
لكن في وسط الزحمة دي…
كريم كان بصص عليها بس.
مش على اللي خايفين عليه…
ولا اللي اتلمّوا فجأة…
لكن على واحدة غريبة عن المكان كله…
وهي الوحيدة اللي كانت شايفة الحقيقة.
—
وأول ما النقالة بدأت تتحرك…
نادية مشيت جنبهم خطوة…
وبصت له نظرة قصيرة قبل ما تسيبه يطلع.
نظرة مش شفقة…
ولا خوف…
نظرة كأنها بتقول:
“أنا عملت اللي عليّا… والباقي عليك أنت.”
—
وفي اللحظة دي… كريم فهم حاجة خطيرة:
اختباره ما كشفش مين بيحبه…
هو كشف مين عنده ضمير… حتى لو محدش شايفه.النقالة اختفت في الممر السريع، وأصوات عجلاتها بتتلاشى تدريجيًا ناحية المصعد.
لكن كريم الدسوقي… رغم إنه كان المفروض “فاقد وعي”… كان كل حاجة جواه صاحي أكتر من أي وقت.
كل تفصيلة شافها.
نظرة نادية.
لهجتها.
ثباتها.
حتى الطريقة اللي كانت بتقيس بيها النبض… كانت دقيقة زيادة عن اللازم بالنسبة لـ”عاملة نظافة” زي ما مكتوب في الملف.
—
في الإسعاف، أول ما باب العربة اتقفل، واحد من المسعفين
لكن كريم… كان بيستغل اللحظة.
بيحاول يلاحظ ردود الفعل من غير ما يبان عليه.
فجأة…