الصبح الي المدرسة بقلم زيزي

لمحة نيوز

الصبح اللي المُدرّسة جرّتني فيه على أوضة الممرضة، وضفايري وقعت على الأرض قدام مراية مكسورة، كنت فاكرة إن أسوأ وجع هو إني أخسر شعري… لحد ما بعد شهور، أمي فتحت ملف عسكري مدفون، شافت اسم “إيفلين كرو”، وهمست: “هي ما اختارتكيش صدفة”… وفي نفس اللحظة ظرف من غير اسم اتزحلق من تحت بابنا…
اسمي كايلا بينيت… لا، خليني أقولها صح:
اسمي كيان أحمد، وكان عندي 12 سنة اليوم اللي مدرسة قررت إن أسهل طريقة تعاقبني بيها هي إنها تمحي جزء مني قدام الكل.
وقتها كنت متعودة أتعامل مع مرضي قبل ما الناس تستخدمه ضدي. عندي ثعلبة، وده معناه إن شعري مش بيقع بشكل حلو زي الأفلام… لأ، بيقع على شكل فراغات مفاجئة وقاسية. في أسابيع كنت بعرف أخبيها، وفي أسابيع لأ. بقيت شاطرة أضفر شعري بطريقة تغطي الأماكن الفاضية، وأستخدم دبابيس وإيشاربات وزوايا معينة قدام المراية. كنت كبيرة كفاية أفهم نظرات الناس… وصغيرة كفاية لسه عندي أمل إني لو حاولت كفاية، أبقى “طبيعية”.
كنت عايشة في طنطا مع بابا أحمد عبدالعزيز، راجل بيشتغل فني تكييفات ومش بيعرف يقول كلام حلو، بس دايمًا موجود. ماما، المقدم منى أحمد، كانت مسافرة مع الجيش وقتها. كانت بتغيب عن مناسبات كتير، بس عمرها ما كانت بتختار ده. دايمًا كانت تقول لي:
“إنتِ عمرك ما تبقي صغيرة لمجرد إن حد بيحاول يحسسك بكده.”
وأنا عندي 12 سنة، كنت لسه بصدقها… ولسه فاكرة إن الكبار بيمشوا بالقوانين.
اليوم ده بدأ وحش… وبقى أسوأ بسرعة…
كنت في حصة العربي، لما مس باميلا كرو—لا، بقى اسمها

مس ابتسام كرم—وقفت قدامي وقالت إن تسريحة شعري مخالفة لقوانين المدرسة. قالت إنها “مبالغ فيها”، و”مشتتة”، و”مش مناسبة للنظام”.
الفصل سكت… السكات اللي كله بيبص فيه من غير ما يبان إنه بيبص.
قلت لها بهدوء إن شعري كده عشان حالة طبية، وإن الممرضة عارفة. بصت لي كأني غلطت فيها.
قالت ببرود:
“الأعذار ما بتلغيش القوانين.”
واللي حصل بعد كده… عمري ما هنساها…واللي حصل بعد كده… عمري ما هنساها…
مس ابتسام ما استنتش ردّي.
مسكت دراعي بقوة وطلعتني برّه الفصل. مش قوة تسيب علامة… بس قوة تخليني أفهم إني مش هعرف أقاوم. ورايا، سمعت همسات زمايلي… وسمعت “تقى” بتقول بصوت واطي:
“سيبيها يا مِس… دي تعبانة.”
بس ولا كأن حد اتكلم.
وصلنا أوضة الممرضة.
الممرضة “مس هالة” أول ما فهمت الموضوع، وشها اتغير. بصت لي… وبعدين بصت للمدرسة، وقالت بتردد:
“يا مس ابتسام… دي حالة طبية، ومكتوبة في الملف…”
لكن مس ابتسام قاطعتها ببرود:
“أنا اللي مسؤولة عن النظام هنا.”
قلبي كان بيدق بعنف، وإيدي بتترعش. مسكت في الكرسي وقلت وأنا بعيّط:
“لو سمحتي… كلمي بابا… بالله عليكي…”
ردت عليا بنبرة حادة:
“كفاية تمثيل.”
وبعدين… فتحت درج صغير.
وطلّعت ماكينة حلاقة.
في اللحظة دي… الزمن وقف.
حسّيت إن الأوضة ضاقت… وإن صوتي مش طالع. الممرضة قربت خطوة وقالت بصوت منخفض:
“ده غلط… مينفعش…”
بس برضه… ما حدّش وقفها.
حطّت الكاب على كتافي… وإيدي كانت متشبّتة فيه كأني بتمسك في آخر حاجة باقية مني.
وأول خصلة… وقعت.
وبعدين التانية…
وبعدين… كل حاجة.

كنت سامعة صوت الماكينة زي صرخة مستمرة جوه ودني… وشايفة ضفايري اللي قضيت ساعات بعملها، بتقع على الأرض واحدة واحدة… كأنها مش شعري… كأنها جزء مني بيتقطع قدامي.
لما خلصت… قالت ببرود:
“كده بقى شكلك مناسب.”
بصّيت في المراية…
وما شفتش نفسي.
شفت بنت غريبة… عينيها حمرا… وفروة راسها مليانة فراغات مكشوفة… ودموعها نازلة من غير صوت.
في اللحظة دي… حاجة جوايا اتكسرت.
لكن اللي ماكنتش أعرفه… إن ده ماكانش أسوأ حاجة.
بابا لما شافني… سكت.
والسكات بتاعه كان أخطر من أي صوت.
مسك إيدي وطلع بيّا على المدرسة تاني، ودخل على المدير من غير استئذان. صوته كان هادي… بس مرعب:
“مين اللي عمل كده في بنتي؟”
المدير حاول يهدّي الموضوع:
“حصل سوء تفاهم…”
بابا قاطعه:
“ده مش سوء تفاهم… ده اعتداء.”
الموضوع كبر… واتعمل تحقيق شكلي… وفي الآخر قالوا “إجراء خاطئ” وخلاص.
بس القصة… ما خلصتش هنا.
بالليل… وأنا في سريري، كنت خايفة حتى ألمس راسي.
موبايلي رن.
رقم غريب.
رسالة واحدة.
“اتفرجي.”
فتحتها… وقلبي وقع.
فيديو.
متصوّر من بعيد… من ورا الباب.
أنا… وأنا بعيّط… وهي بتحلق شعري.
إيدي اترعشت… لكن كملت.
وقبل ما الفيديو يقفل… سمعت صوت مس ابتسام… وهي بتقول جملة خلت دمي يتجمد:
“لما أمها ترجع… هتعرف مين صاحب السلطة بجد.”
الفيديو وقف.
فضلت باصة في الشاشة… ومش فاهمة.
إزاي… عرفت إن ماما مش موجودة؟
وإزاي… واثقة إنها هترجع؟
والأهم…
ليه الموضوع كله… كان كأنه متخطط؟
عدّت شهور.
والحياة حاولت ترجع طبيعية… بس أنا ما رجعتش زي
الأول.
لحد يوم…
ماما رجعت.
بس رجوعها… ما كانش عادي.
وشها كان جامد… وعينيها فيها حاجة عمري ما شوفتها.
دخلت الأوضة، وقعدت قدامي، وحطّت على الترابيزة ملف قديم… مترب… عليه ختم عسكري.
فتحتُه بإيدي المرتعشة.
وأول اسم شفته…
خلاني أنسى أتنفس:
“ابتسام كرم”…
لا…
كان اسمها الحقيقي:
“إيفلين كرو.”
رفعت عيني لماما…
همست بصوت واطي، بس مليان خوف:
“هي ما اختارتكيش صدفة…”
وفي نفس اللحظة…
“تك…”
صوت حاجة بتخبط في الأرض عند باب الشقة.
بصّينا أنا وهي في نفس الوقت.
ظرف أبيض…
اتزحلق من تحت الباب.
من غير اسم.
من غير عنوان.
قلب ماما وقع…
وقالت جملة واحدة:
“واضح إنهم عرفوا إني رجعت…”
فتحت الظرف…
ولما شفت اللي جواه…
صرخت.
لأن الصورة اللي كانت فيه…
ما كانتش ليا…
كانت لماما…
وهي لابسة الزي العسكري…
وعليها علامة × حمرا كبيرة…
وتحتها مكتوب:
“الدور الجاي عليكِ… أو على بنتك.”الورقة وقعت من إيدي…
وماما فضلت ثابتة لحظة… بس أنا شفت الخوف في عينيها، حتى لو حاولت تخبيه.
قامت بسرعة وقفلت الباب بالمفتاح، وبعدين سحبت الستارة كأن حد ممكن يكون بيراقبنا.
قلت بصوت متكسر:
“ماما… إيه ده؟ مين دول؟ وليه اسم المدرسة في الملف؟!”
ماما خدت نفس طويل، وقعدت قدامي، وبصّت لي نظرة عمري ما هنساها… نظرة بين أم وخوف وقائدة عارفة إن الحقيقة تقيلة.
قالت بهدوء مخيف:
“الاسم الحقيقي لمدرستك مش ابتسام كرم… دي كانت بتشتغل زمان تحت اسم: إيفلين كرو… ودي واحدة من شبكة قديمة جدًا… كانت بتشتغل ضد الجيش.”
اتجمدت مكاني.
“شبكة إيه؟
!”
ردت وهي بتفتح الملف وتقلب في أوراقه:
“شبكة كانت بتستهدف عائلات الضباط… مش بشكل مباشر… كانوا بيقربوا من نقطة ضعفهم.”

تم نسخ الرابط