اهلي ادو اختي
أهلي أدوا أختي 5 مليون جنيه عشان فرحها وقالوا لي: "أنتي متستهليش مننا مليم".. بعد سنين، أختي عدت من قدام بيتي، والرسالة اللي سابتها لي في صندوق البريد لسه "بتحرق قلبي" لحد النهاردة!
ريحة المشويات كانت مالية بيت أهلي في "المهندسين"، ريحة مختلطة ببرفان أمي "سوسن"التقيل اللي دايماً بيحسسني إني في امتحان ومسقطة فيه من قبل ما يبدأ. السفرة كانت متلمعة بالمسطرة، والشوك والسكاكين مرصوصة رصة عسكرية، والكل قاعد كأنه بيمثل في مسرحية مش عزومة عيلة.
أبويا"عثمان"كان قاعد على رأس التربيزة، وأمي على يمين، وأختي الصغيرة نسمة قاعدة قدامها بـ فستان غالي أوي بـ يصرخ بـ العز من غير ما تنطق. أنا ليلى، كنت قاعدة في آخر السفرة، المكان اللي دايماً بيحطوني فيه؛ قريبة كفاية عشان الصورة تطلع كاملة، وبعيدة كفاية عشان ما أعكرش مزاجهم.
أنا عندي 26 سنة، ولسه راجعة من وردية شغل 50 ساعة في الأسبوع في شركة استشارات كبيرة. جسمي وعيني وجعاني من التعب. نسمة
العشا مشي كالعادة؛ تريقة مستخبية في شكل نصايح، ومقارنات بيني وبين نسمة مع كل لقمة. أمي انتقدت قصة شعري، وسألتني بـ شفقة كدابة "ليه لسه سنجل؟"، وقالت على شقتي الإيجار إنها صغيرة بـ نبرة معناها إنها شقة تقرف.
وفجأة، اللحظة المنتظرة جت.
أبويا طلع ظرف كريمي تقيل من جاكيت البدلة، ومأداهوش لـ نسمة عادي، ده زقّه على السفرة ببطء كأنه بيصور إعلان، ورفع كاسته وقال بـ فخر:
"ده عشان الفرح.. 5 مليون جنيه. أنا عاوز فرح الناس كلها تحلف بيه، فرح يليق بـ عيلتنا."
نسمة صرخت من الفرحة وحضنت الظرف كأنه حتة منها:
"يا حبيبي يا بابا! دلوقتي أقدر أجيب الورد المستورد، والفرقة الموسيقية، وكل اللي نفسي فيه! ده هيبقى فرح السنة!"
أنا اتسمرت مكاني والشوكه في إيدي.
5 مليون جنيه!
أنا مكنتش مستنية شيك لنفسي، أنا بطلت استنى
"وقبل ما تفكري تطلبي أي حاجة يا ليلى.. أنتي متستهليش إننا نصرف عليكي مليم واحد."
السكوت حل على المكان زي الجبل.
قلت بصوت واطي: "نعم؟ بتقولي إيه؟"
أبويا مأرفعش عينه من الطبق: "أنتي بتنططي من شغل لـ شغل، وعمرك ما كنتي مستقرة، ومابتسمعيش الكلام. نسمة بتبني حياة حقيقية، جواز وعيلة مع راجل محترم. هي اللي تستحق الدعم.. ليه نستثمر فيكي؟"
"نستثمر فيكي".. الكلمة دي وجعتني أكتر من الفلوس.
وهما عمالين يتكلموا عن الفستان والورد وشهر العسل، شريط حياتي كله عدى قدامي. افتكرت الشهور اللي كنت بـ أدفع فيها قسط عربية بابا من وراهم لما كان مزنوق. افتكرت المرات اللي طلعت فيها نسمة من مشاكلها ومصايبها وعياطها. افتكرت أيام الجمعة اللي كنت بقضيها في المطبخ عشان أمي تاخد هي المدح على "طبيخها". افتكرت
أنا كنت الظهر اللي شايلهم، والحل اللي بـ يلحقهم، والغطا اللي بـ يداري عليهم.
وفي الآخر، في نظرهم، أنا "ما استهلش".
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا اتغيرت. عرفت إن مهما عملت، عمري ما هبقى كفاية في نظرهم. تضحياتي مكنتش دين هـ يسدوه، كانت "حق مكتسب" بـ ياخدوه بـ دم بارد.
لميت المنديل بـ هدوء، وحطيته جنب الطبق، وقمت أخدت شنطتي.
أبويا سأل بـ نرفزة: "رايحة فين؟ لسه مأخلصناش."
أمي كملت: "ده لسه فيه حلو!"
قلت بـ منتهى البرود: "أنا شبعت.. وشبعت أوي كمان."
خرجت من غير زعيق ولا عياط ولا حتى رزع باب. سقت عربيتي في سكات وأنا حاسة بـ راحة غريبة، كأني رميت حمل تقيل كان كابس على نَفَسي.
الليلة دي، مسحت نمرهم كلهم، بلوك لـ بابا، بلوك لـ ماما، بلوك لـ نسمة. مسحت القرايب والمعارف وكل "عصافير" العيلة. مأنزلتش بوستات ولا فضحتهم،