كنت ماشيه في الشارع

لمحة نيوز

كنت ماشيه في الشارع جايه من السوق، شايله طلبات البيت في عز الشمس بعد ما جوزي رفض يوصلني بحجة إنه بيشتغل وسابني لوحدي بالشنط التقيلة.
كملت طريقي وأنا حاسة إن كتفي هيتخلع من تقِل الشنط، والعرق غرق هدومي، والشمس كانت بتلسع في وشي كأنها بتعاقبني على المشوار ده. كنت ماشية بكلم نفسي وبقول: "معلش يا بت، أهو شقيان وتعبان في الشغل عشان يجيب لنا لقمة العيش"، وكنت متمسكة بالأمل ده عشان أقدر أكمل الـ100 متر اللي فاضلين لحد البيت.
وفجأة… وقفت مكاني.
عربيته.
عربيتنا.
الشنط وقعت من إيدي على الأرض من غير ما أحس، كأن إيدي سابتني من الصدمة قبل ما أقرر أنا أسيبها. العربية كانت مركونة على جنب، والإزاز مقفول، والتكييف شغال من جوه.
قربت خطوة واحدة وأنا مش مستوعبة… لحد ما شُفت جوزي جوا.
كان قاعد في الكرسي الأمامي، ماسك موبايله، وباين عليه التركيز في مكالمة أو شغل، ووشه متغير شوية كأنه

مرهق فعلًا. جنبه كان فيه أوراق وملفات مبعترة على التابلوه، وكوباية قهوة باينة إنها من وقت قريب.
قلبت نظري بسرعة، كأني بدور على إجابة تريحني.
هو شافني.
فتح الباب بسرعة ونزل وهو بيقول بلهفة:
"إنتي واقفة هنا من إمتى؟ ليه شايلة كل ده لوحدك؟"
سكت.
مش عارفة أرد أقول إيه… الحر، الشنط، التعب، وكل اللي كنت بفكر فيه اتكوم في لحظة واحدة.
قرب مني وخد الشنط من الأرض وهو بيكمل:
"أنا آسف… الموبايل كان صامت وأنا في شغل مهم، وكنت هخلص وأجيلك."
بصيت للعربية تاني، وبعدين ليه، وبصوت واطي طالع بالعافية قلت:
"كنت فاكرة إنك… مشغول زيادة عن اللزوم."
ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها تعب أكتر ما فيها كلام:
"الشغل عمره ما هيكون أهم منك ولا من تعبك."
سكت لحظة، وبعدين فتح باب العربية وقال:
"يلا نرجع البيت… وإنتي مش هتشيلّي حاجة تاني النهارده."
ركبت، وأنا لسه قلبي متلخبط بين الإرهاق والراحة، لكن
حاجة واحدة كانت واضحة جوايا…
إن التعب أوقات بيخلينا نشوف الصورة أكبر من حقيقتها، لكن الحقيقة دايمًا بتبان لما نقرب خطوة ونسمع الكلام بدل ما نكمله لوحدنا في دماغنا.العربية اتحركت، وأنا قاعدة جنبه في الصمت… بس الصمت ده كان مختلف عن صمتي وأنا ماشية في الشارع.
كان فيه حاجة اتكسرت جوايا… وحاجة تانية بدأت تلملم نفسها بهدوء.
بص لي وهو سايق وقال بصوت أهدى:
"إنتي تعبتي النهارده جامد."
ما رديتش بسرعة… كنت لسه براجع في دماغي كل اللي شوفته قبل شوية، وكل اللي تخيلته لوحدي.
قال تاني:
"أنا عارف إن شكلي ساعات بيبان إني مش مهتم… بس الحقيقة إني بضيع في الشغل وبنسى نفسي قبل ما أنسى إني راجعلك."
سكت لحظة، وبعدين كمل:
"بس ده مش مبرر… أنا غلطان إني سبتك تمشي كده في الحر."
بصيت قدامي من شباك العربية، الشوارع بقت أهدى، والحر بدأ يخف شوية.
قلت بهدوء:
"أنا مازعلتش عشان الشنط… أنا زعلت
عشان حسيت إني لوحدي."
سكت هو.
المرة دي ما ردش بسرعة… كأنه بيختار كلامه.
وبعدين قال:
"وأنا مش عايزك تحسي كده تاني."
وصلنا البيت، ونزلنا مع بعض. هو شايل الشنط بدلّي، وأنا ماشية جنبه بس المرة دي مش بجرّ رجلي من التعب.
دخلنا الشقة، وهدوء البيت كان غريب بعد زحمة اليوم.
حط الشنط وقال وهو بيبصلي:
"اقعدي… أنا هجيبلك مية باردة الأول."
ضحكت ضحكة صغيرة من غير ما أحس:
"هو أنا بقيت طفلة؟"
رد بابتسامة:
"أيوه… طفلة مرهقة لازم تتدلع."
قعدت على الكنبة، وبصيت حواليّا… البيت هو البيت، بس أنا اللي رجعتله بشكل مختلف.
هو رجع بعد شوية بكوباية مية، وحطها في إيدي وقال:
"من النهارده… مفيش نزول السوق لوحدك في الحر ده."
رفعت عيني ليه:
"وإنت شغلك؟"
قال بثقة:
"هنظبطها… بس تعبك مش هيتساب لوحده تاني."
سكت.
المرة دي السكوت كان راحة… مش وجع.
وأول مرة من ساعة ما خرجت من السوق، حسّيت إن الشنط مش
بس كانت تقيلة… كان التقيل الحقيقي هو إحساسي إني مش متشاف.

تم نسخ الرابط