سر الست نعمات
يومها، كانت الست نعمات قاعدة لوحدها في شقتها القديمة في الزاوية الحمراء، نفس الشقة اللي عاشت فيها عمر كامل، وشافت فيها كل حاجة من فرح وحزن وضحك وبكا. الست دي كانت دايمًا ست قوية، عقلها راجح، وما تمشيش ورا كلام الناس ولا تصدق أي حاجة بسهولة، لكن اللي حصل في الليلة دي كان أكبر من أي منطق وأكبر من قدرتها على الفهم.
نعمات كانت بتحب حفيدتها أمل حب غير عادي، البنت الصغيرة اللي كانت بتملأ البيت ضحك وحياة، دايمًا بتجري وراها وتقولها يا تيتة احكيلي حكاية، وكانت نعمات تحكي وتضحك وتنسى تعب الدنيا. لكن فجأة، في يوم عادي جدًا، ابنها رجع وقال إن أمل تعبت فجأة وسخنت، وبعدها بساعات قال إنها راحت كلام سريع، غريب، كله متلخبط، لكن الصدمة كانت أكبر من إنها تخلي نعمات تفكر أو تسأل.
الناس جت، والجيران وقفوا جنبهم، وكل حاجة تمت بسرعة غريبة، كأن في حد مستعجل يقفل الصفحة دي من الحياة. نعمات كانت حاسة إن في حاجة غلط، حاجة ناقصة، بس مش قادرة تحددها. قلبها كان مش مطمّن، وده كان إحساس عمره ما خذلها.
بعد
قربت من الصندوق الخشبي بهدوء، إيديها بتترعش، وهي مش عارفة ليه حاسة إن في حاجة هتتغير للأبد. وقفت لحظة، أخدت نفس عميق، وفتحت الغطا ببطء.
اللي شافته ما كانش مرعب زي ما كانت متوقعة كان صادم بس بطريقة مختلفة. أمل كانت نايمة، لكن مش زي أي حد نايم كان نفسها منتظم، ووشها هادي كأنها في نوم عميق. نعمات اتجمدت مكانها، وبعدين بسرعة حطت إيدها على صدرها، وحست بالحياة آه، البنت عايشة.
عيون نعمات دمعت، لكنها مسكت نفسها، وقالت بهدوء يا رب لك الحمد. بدأت تفهم إن في خطأ كبير حصل، وإن الموضوع مش زي ما اتقال لهم. شالت البنت بحذر، وحطتها على الكنبة، وفضلت تنادي عليها لحد ما بدأت تفتح عينيها واحدة واحدة.
أمل بصت حواليها بتلخبط، وبصت لتيتها
في اللحظة دي، نعمات قررت إنها مش هتسيب الموضوع يعدي. كان واضح إن في إهمال أو تشخيص غلط حصل، ويمكن استعجال غير مبرر. لما ابنها رجع، لقاها قاعدة جنب أمل وهي صاحيه، واتصدم، لكن نعمات كانت هادية بشكل غريب.
قالت له بهدوء البنت عايشة، والحمد لله، بس لازم نفهم إيه اللي حصل. ابنها حاول يبرر، وقال إن الدكتور قال كذا وكذا، وإنه كان متلخبط وخايف، لكن نعمات ما اقتنعتش بسهولة.
في اليوم اللي بعده، أخدت أمل وراحت لدكتور تاني، وبعد الكشف اتضح إن اللي حصل كان حالة إغماء شديدة بسبب ارتفاع الحرارة، واتلخبطت على الناس وافتكروها حاجة تانية. الدكتور أكد إن البنت بخير، بس كانت محتاجة رعاية وهدوء مش أكتر.
نعمات رجعت البيت وهي حاسة بمزيج غريب من الراحة والغضب، لكنها اختارت تمشي في طريق الإصلاح مش الاتهام. قعدت مع ابنها بهدوء، وفهمته إن التسرع والخوف ممكن يعملوا مشاكل أكبر، وإن لازم يكون في وعي وصبر في المواقف
الأيام عدت، وأمل رجعت تضحك وتلعب تاني، والبيت رجع له صوته الطبيعي. نعمات بقت أكتر حرص، وأكتر قرب من حفيدتها، وقررت إن وجودها مش بس حب لكن أمان كمان.
وفي كل ليلة، وهي قاعدة على الكنبة، تبص لأمل وهي بتضحك، تقول لنفسها إن الحياة ممكن تخضنا، بس برضه بتدينا فرص تانية والليلة دي، كانت فرصة جديدة لكلهم عشان يبدأوا من تاني، بهدوء، وبفهم، وبحب أكبر.
في اللحظة اللي وقف فيها ابن نعمات قدامها على السلم، كان الصمت تقيل كأنه حجر، لكن قلبها لأول مرة في حياتها ما خافش بالعكس، حسّت بقوة غريبة بتسري في عروقها، يمكن عشان شايلة بين إيديها أمل، ويمكن عشان فهمت إن اللي بيحصل أكبر من مجرد
خوف عادي، هو اختبار حقيقي لروحها قبل أي حاجة، بصّت له بهدوء غريب وقالت بصوت ثابت كنت بدور على كباية مية، حاولت تخبي ارتباكها وهي ضامة البنت لصدرها تحت الشال، وهو قرب خطوة، عينيه فيها شك، لكن كأنه كان مستعجل، أو يمكن واثق زيادة عن اللزوم، رد عليها بنبرة باردة طيب ادخلي ارتاحي بكرة يوم طويل، وسابها وطلع فوق،