دفعت 19 الف

لمحة نيوز


في كافيه هادي…
قعدت قدام كارول.
مش بنفس الست اللي كانت بتبصلي من فوق.
كانت منهارة… مرهقة… وكأن الدنيا قلبت عليها فجأة.
— "إيثر خسر شغله…"
— "طبيعي."
بصتلي بدهشة: — "إزاي تقولي كده؟!"
— "اللي ما يعرفش قيمة اللي حواليه… بيخسرهم كلهم."
سكتت.
بعدين قالت: — "هو محتاجك."
ضحكت… بس المرة دي ضحكة فيها وجع قديم: — "وهو فاكر إن الأم زرار… يطفيه ويشغّله وقت ما يحب؟"
بعدها بأيام…
كنت ماشية في الشارع… شفت شاب قاعد على الرصيف.
هدومه مش نضيفة… دقنه طويلة… عينه تايهة.
عدّيت… وبعدين وقفت.
رجعت.
كان إيثر.
وقف فجأة لما شافني… كأنه اتفاجئ إني لسه موجودة في عالمه.
— "ماما…"
الكلمة خرجت منه ضعيفة… مكسورة.
بصيت له… وشفت كل النسخ اللي فاتت: الطفل اللي كان بيعيط بالليل… المراهق اللي بعد… والرجل اللي اختار يبيع كل ده.
— "قمت من على الرصيف ليه؟"
— "كنت مستنيكِ."
سكتُّ.
— "مافيش حد غيرك."
الكلمة دي زمان كانت كفيلة تكسرني.
دلوقتي؟
لا.
قلت بهدوء: — "وأنا كنت عندي حد غيرك… ومع ذلك اخترتك."
نزل راسه.
— "أنا غلطت."
— "آه."
— "ينفع… أصلّح؟"
السؤال كان صعب…
مش عليه.
عليّ

أنا.
قعدت جنبه على الرصيف…
أول مرة من سنين نكون في نفس المستوى… لا أنا فوقه ولا هو فوقي.
— "الإصلاح مش كلمة…"
بصلي.
— "الإصلاح وقت… تعب… وصدق."
دموعه نزلت: — "أنا مستعد."
بصيت له شوية…
ثم قلت: — "تمام."
اتفاجئ: — "بجد؟!"
— "بس مش كأم… مش دلوقتي."
اتلخبط: — "يعني إيه؟"
— "يعني تبدأ من الأول… تثبت إنك تستاهل تبقى في حياتي."
عدّت شهور…
إيثر اشتغل شغل بسيط… ابتدى ينضف نفسه… يرجع يقف على رجليه.
ما طلبش فلوس.
ما طلبش حاجة.
بس… كل أسبوع… كان بيخبط على بابي.
مش علشان ياخد…
علشان يطمن.
وفي يوم…
فتح الباب… لقيته واقف… بس المرة دي…
واقف بثقة.
— "ماما…"
ابتسمت.
المرة دي… الكلمة وصلت.
— "اتفضل يا إيثر."
دخل.
بص حواليه… نفس البيت… بس إحنا الاتنين اتغيرنا.
قعد قدامي… وقال:
— "أنا جاهز أبدأ صح… لو إنتِ لسه عايزة."
بصيت له…
والمرة دي…
ما كانش في ألم.
كان في اختيار.
ابتسمت بهدوء:
— "نشوف."
وأول مرة في حياتنا…
ما كانش في ضمان.
بس كان في حاجة أهم…
حقيقة.كلمة "نشوف" علّقت في الجو بينّا…
لا وعد… ولا رفض.
بس بداية حقيقية.
الأيام اللي بعد كده كانت مختلفة.
إيثر
بقى بييجي كل أسبوع… في نفس المعاد… من غير ما أطلب.
يخبط على الباب… يستنى… ولو اتأخرت دقيقة، ما يمشيش.
في أول زيارة، جاب معاه كيس صغير.
— "جبت لكِ شاي بتحبيه… فاكر إنك كنتِ دايمًا بتشربيه بعد الشغل."
بصيت للكيس…
تفصيلة صغيرة… بس ماكنتش صغيرة بالنسبالي.
افتكرت إنه كان بينسى اسمي أوقات… ودلوقتي فاكر نوع الشاي.
قلت بهدوء: — "شكراً."
المرة اللي بعدها…
لقيته بينضف السلم قدام الشقة.
— "إيه ده؟"
— "العمارة شكلها وحش… قلت أظبطها."
— "مين طلب منك؟"
ابتسم: — "ولا حد… بس ده المكان اللي ربّاني."
الكلمة دي… وقفتني.
"ربّاني."
أول مرة يقولها… وهو واعي.
شهر… واتنين…
وإيثر ثابت.
ما طلبش فلوس.
ما اتكلمش عن الماضي غير لما أنا أفتح.
كان بييجي… يقعد… يحكي عن شغله الجديد في ورشة بسيطة.
— "ببدأ من الصفر… بس يمكن ده اللي أستاهله."
كنت بسمع… من غير ما أريّحه… ولا أكسره.
بس كنت بشوف…
إنه بيتغير بجد.
وفي يوم…
كنت تعبانة.
ضغط ودوخة… وماحدش يعرف.
خبط الباب.
فتحته بالعافية.
أول ما شافني… اتخض:
— "مالك؟!"
— "مفيش… تعب بسيط."
دخل من غير ما يستأذن… لأول مرة.
جاب ميه… قعدني…
قاس ضغطي بإيده المرتعشة.
— "ليه ما قولتيش؟"
بصيت له: — "مين كان هيسمع؟"
سكت…
وعينه اتملت دموع.
— "أنا هنا."
الكلمة دي…
كانت زمان بتبقى مجرد صوت.
دلوقتي؟
حسّيتها.
قعد جنبي طول اليوم…
عمل أكل… رغم إنه مش بيعرف.
كان طعمه وحش…
بس أكلته كله.
قبل ما يمشي…
وقف عند الباب…
— "أنا مش جاي أصلّح بس… أنا جاي أتعلم أكون ابن."
بصيت له…
ولأول مرة من سنين…
قلبي رد قبل عقلي.
قلت بهدوء: — "وأنا ممكن أتعلم أديك فرصة."
عدّى وقت…
والعلاقة بينّا بدأت ترجع…
مش زي زمان…
لكن يمكن أحسن.
مفيش اعتماد أعمى…
مفيش تضحية من طرف واحد…
في احترام.
وفي يوم…
طلب مني أخرج معاه.
— "فين؟"
— "مكان بسيط… بس مهم."
روحنا دار أيتام صغيرة.
دخلنا…
أطفال بيضحكوا… بيجريوا…
بصيت له باستغراب.
قال: — "فاكرة لما قولتي إنك اخترتيني؟"
هزيت راسي.
— "أنا كمان عايز أختار… حد يحتاجني زي ما احتجتِ لي."
سكتُّ…
وعيني دمعت.
وفي اللحظة دي…
فهمت حاجة أخيرًا:
أنا ما خسرتش ابني…
أنا كنت بعلّمه… حتى وهو بعيد.
وهو رجع…
مش علشان محتاجني…
لكن علشان أخيرًا…
فهم قيمتي.
مسك إيدي بهدوء:
— "شكراً إنك ما استسلمتيش
فيّا… حتى لما أنا استسلمت فيكِ."
ابتسمت…
وبصيت له:
— "المرة دي… خليك قد الاختيار."
قال بثقة:
— "هكون."
والحكاية؟
لسه ما خلصتش…
بس المرة دي…
إحنا الاتنين بنكتبها…
سوا.

تم نسخ الرابط