الغابة رجعتله حياته بقلم زيزي
الغابة رجّعتله حياته… نمر مفترس يسدّد دين قديم في لحظة مستحيلة!
في قلب غابة استوائية تقيلة ومقفولة على نفسها، كان "كريم منصور" راجل عنده 45 سنة، شغله يوثق الحياة البرية، وناوي يصوّر لقطة نادرة لمفترس محدش بيشوفه بسهولة.
بس اللي حصل قلب الدنيا كلها عليه.
وهو بيتحرك وسط الشجر، فجأة وقع في إيدين شوية صيادين. مسكوه، ربطوه في جذع شجرة خشن، وسابوه ومشيوا… لا مية، ولا أكل، ولا حتى أمل.
الشمس كانت بتلسعه لحد ما جلده اتحرق، والحشرات غطّت جسمه كله… وكل حركة كان بيعملها كانت بتوجّعه أكتر، لأن الحبال كانت داخلة في لحمه. العطش بدأ ينهشه ببطء… والغابة حوالينه كأنها بتقفل عليه من كل ناحية.
مع دخول الليل، الدنيا بقت أهدى… بس مخيفة أكتر.
فجأة… حس بحاجة بتتحرك فوق دماغه.
ثعبان.
اتجمّد مكانه… حتى النفس حبسه. عارف إن أي حركة صغيرة ممكن تخلص عليه. ثواني عدّت كأنها سنين… لحد ما الثعبان اختفى وسط الورق.
بس الرعب مخلصش.
أصوات غريبة حوالينه… فروع بتتكسر… أنين خفيف… وكأن الغابة كلها عايشة وبتراقبه.
وبعدين… ظهر.
نمر.
واقف قصاده… ضخم، هادي، وعينه
بس الغريب… النمر ما هجمش.
فضل واقف يبصله… دقيقة… اتنين… وقت طويل كأنه بيقرأه.
وفجأة… كريم أخد باله من حاجة.
ندبة على رقبة النمر.
قلبه دق بسرعة… وافتكر.
من كام شهر… كان مصوّر في غابة تانية، ولقي نمر محبوس في فخ خشب… وكان هيموت. كريم ساعتها خاطر بحياته وكسّر الفخ وطلّعه.
هو هو؟
نفس النمر؟
النمر قرّب منه ببطء… شم الحبال… وبعدين، حاجة محدش يتخيلها حصلت…
بدأ يعض الحبال!الألم كان شديد، بس الحبال بدأت تفك… لحد ما اتقطعت.
كريم وقع على الأرض، جسمه مش قادر يشيله… بس بقى حر.
بص للنمر وهو مش مصدق… والنمر وقف لحظة، بصله… وبعدين لفّ ومشي شوية، وكأنه بيشاورله على طريق النجاة.
في اللحظة دي… كريم فهم.
الخير عمره ما بيضيع.
حتى في قلب الغابة… ممكن يرجعلك على هيئة مفترس.كريم حاول يقوم… رجليه كانت بتترعش ومش شايلة جسمه، بس الخوف خلاه يتحامل على نفسه. النمر كان واقف بعيد شوية، مستنيه… كل ما كريم يتحرك خطوة، النمر يتحرك خطوة قدامه.
كأن فيه اتفاق صامت بينهم.
دخلوا
كريم سمعها بعدها بثواني…
صوت رجالة.
الصيادين.
كانوا راجعين يدوروا عليه… يمكن عايزين يتأكدوا إنه مات، أو يمكن عندهم نية أسوأ.
قلب كريم دق بعنف، وحاول يستخبى ورا شجرة… بس كان واضح إنه مش هيقدر يجري ولا يهرب.
بص للنمر… لقى عينه ثابتة في اتجاه الصوت… وجسمه شدّ.
في لحظة… اتحول من كائن هادي… لمفترس حقيقي.
طلع صوت خافت من زئير مكتوم… وبعدين اختفى وسط الشجر.
ثواني عدّت… وبعدين—
صوت صرخة!
وبعدها جري… وخبط… وحد بيقع.
كريم واقف مكانه، مش قادر يتحرك… كل اللي سامعه صراع في الضلمة. قلبه بيقول له يجري، بس رجله مش مطاوعة.
وفجأة… سكون.
رجع النمر.
كان هادي… بس في عينه بريق غريب. وقف قدام كريم، كأنه بيطمنه: “خلاص… الطريق آمن.”
كريم بلع ريقه، ومشي وراه تاني… لحد ما بدأ يشوف نور خفيف بين الشجر.
نور!
كل خطوة كانت بتقربه من النجاة… لحد ما خرج فعلاً من الغابة، ووقع على الأرض وهو بياخد نفسه بالعافية.
لما رفع عينه…
النمر كان واقف على الحافة.
بصله آخر نظرة… فيها حاجة غريبة… مش بس شكر… كأنها وداع.
وبعدين لفّ… واختفى جوه الغابة تاني.
كريم فضل باصص مكانه فترة… مش مستوعب.
عدّت أيام… واتنقل للمستشفى، وبدأ يتعافى. كل اللي حواليه كانوا فاكرين إنه نجا بمعجزة.
بس هو كان عارف الحقيقة.
وفي يوم… وهو بيراجع اللقطات القديمة على الكاميرا…
وقف فجأة.
الصورة كانت واضحة…
نفس النمر… نفس الندبة.
كريم ابتسم ابتسامة خفيفة… وقال لنفسه:
"الدين… بيترد.
حتى لو اللي بيرده… وحش."بس القصة ما خلصتش عند كده…
بعد ما كريم خرج من المستشفى، حاول يرجّع حياته لطبيعتها… بس الحقيقة إن الغابة ما خرجتش منه. كل ليلة تقريبًا، كان بيصحى على نفس الحلم… عيون لامعة في الضلمة… ونفس النظرة.
نظرة النمر.
في الأول كان فاكرها صدمة وعدّت… بس في يوم، وهو بيقلب في تسجيلاته، اكتشف حاجة غريبة جدًا.
في صوت… ظهر في الخلفية.
صوت مش تابع للغابة… ولا للحيوانات.
صوت همس.
وقف التسجيل وركّز… وزوّد الصوت…
“ارجع…”
كلمة واحدة… واضحة.
اتجمد مكانه.
عقله بيقوله دي تهيؤات… بس قلبه كان بيقوله العكس.
عدّت أيام، وكريم مش قادر يقاوم