تم طرد ابنت اختي

لمحة نيوز

تم طرد ابنة أخي من المستشفى كأنها لا شيء حافية القدمين، بملابس ولادة متسخة، وطفلها حديث الولادة يرتجف بين ذراعيها.
هذا أول ما خطر ببالي عندما رأيتها جالسة أمام أحد المستشفيات الكبيرة في القاهرة، في مساء شتوي قارس البرد كان يقطع الجلد.
كنت قادمًا ومعي باقة ورد كبيرة، وبطانية زرقاء دافئة، ومقعد سيارة للطفل اشتريته ذلك الصباح. ابنة أخي ليلى كانت قد أصبحت أمًا للتو، وكنت أريد رؤيتها سعيدة، أضمها، وأقول لها إن طفلها لن يعيش وحده كما عاشت هي بعد وفاة والديها.
لكنني لم أجد استقبالًا سعيدًا.
وجدتها منكمشة عند باب الطوارئ، قدماها حافيتان على الأرض الباردة، شعرها ملتصق بوجهها، وشفاها مزرقة. كانت تحتضن الطفل ببطانية المستشفى وكأنها تخشى أن يُنتزع منها.
ليلى ماذا حدث؟
رفعت رأسها وعرفتني، لكنها لم تبكِ. وهذا ما أخافني أكثر. عيناها كانتا جافتين كأنها رأت شيئًا لا يمكن محوه.
خلعت معطفي وألبسته لها، وساعدتها على الركوب في سيارتي. لففت قدميها، شغلت التدفئة، واطمأننت على الطفل كان نائمًا بسلام، غير مدرك للكارثة التي وُلد فيها.
قالت بصوت مكسور عمي لا تتركني أعود إليهم.
إلى من؟ أين حسن؟
أخرجت هاتفها وأعطتني إياه. رسالة من زوجها
البيت لم يعد لكِ. أمي غيّرت الأقفال. أغراضك في الشارع. لا تفتحي مشكلة، لأنني لو وصلت للقضاء سأثبت

أنكِ غير قادرة على تربية الطفل.
شعرت أن دمي يغلي.
هذا البيت أنا من اشتريته لها. باسمها. كان أمانها الوحيد.
حكت لي أن زوجها حسن أخبرها أن السيارة ستأتي لنقلها من المستشفى، لكنها عندما وصلت وجدت أغراضها في الشارع ملابسها، صور والديها، ألعاب طفلها، وحتى مصحف والدتها.
جارتها أخبرتها أن حماتها أم حسن جاءت مع رجال وأهانتها أمام الجميع.
لم أصرخ. لم أذهب إليهم.
لكنني أمسكت الهاتف واتصلت بمحامٍ قديم
أستاذ عادل أحتاجك الآن.
ثم نظرت إلى ليلى وقلت هم لم يعرفوا من الذي لعبوا معه لكنهم سيفهمون قريبًا جدًانظرَت ليلى إليّ وكأنها لا تصدّق أن هناك من ما زال يقف في صفّها.
كانت ترتجف، ليس من البرد فقط بل من شيء أعمق، من كسرٍ داخلي لم يكتمل انكساره بعد.
الطفل في حضنها أطلق أنينًا خافتًا، فشدّته أكثر وكأنها تخشى أن يُسحب منها حتى وهو نائم.
في تلك اللحظة، رنّ هاتفي.
أستاذ عادل.
أجبت فورًا.
صوت المحامي جاء حاسمًا البيت باسم ليلى؟
نعم.
ومفيش أي تنازل أو توكيل؟
لا. كل حاجة قانونية سليمة.
صمت لثوانٍ، ثم قال يبقى اللي حصل ده اسمه طرد غير قانوني تعدي على ممتلكات بلاغ جنائي لو في شهود.
نظرت إلى ليلى، وقلت له بهدوء عايزك تيجي فورًا. وإحضار محضر إثبات حالة.
أغلقت الهاتف، لكني لم أتحرك.
كنت أفكر ليس في القانون فقط، بل في الشخص الذي تجرأ
يرمِي امرأة خارجة من الولادة في الشارع.
رفعت ليلى عينيها لي مرة أخرى هيرجعوني يا عمي هو وأمه مش هيسيبوني.
ابتسمت ابتسامة قصيرة لم تصل لعينَيّ لا. المرة دي هما اللي هيتفاجئوا.
في تلك اللحظة، التفتُّ للسائق على بيتهم.
شهقت ليلى لا! لو روحت هناك هيأذوك!
لكنني كنت قد قررت.
السيارة بدأت تتحرك وسط شوارع القاهرة الباردة، والضباب يلتف حول المصابيح كأنه يخفي شيئًا ينتظر الانفجار.
الطفل بدأ يبكي لأول مرة.
ليلى حاولت تهدئته، لكن صوتها كان مهتزًا.
وفجأة
وصلت رسالة جديدة على هاتفها.
فتحتها ببطء.
كان حسن.
لكن هذه المرة لم تكن رسالة تهديد.
كانت جملة واحدة فقط
ارجعي قبل ما تندمي في حاجة مش عايزك تعرفيها عن الطفل.
تجمّد الهواء داخل السيارة.
نظرت ليلى إليّ، والدموع بدأت تظهر لأول مرة
يقصد إيه؟ ابني ماله؟
ضغطت على فكيّ.
وشعرت أن القصة لم تبدأ بعد السيارة سكنت للحظة قبل أن تعود تسير، لكن الإحساس داخلها كان ثابتًا كأن الرسالة جمّدت الزمن.
في حاجة مش عايزك تعرفيها عن الطفل
ليلى كررت الجملة بصوت مبحوح، كأنها تحاول تفهمها، لكن عقلها يرفض التصديق.
يقصد إيه؟ ابني إيه اللي فيه؟!
نظرتُ إليها بسرعة، ثم إلى الهاتف متفتحيش أي رسائل تانية. خليكِ معايا.
لكن الرسالة الثانية وصلت قبل أن أنهي كلامي.
اسألي الدكتور اللي كان في الولادة لو لسه
عايش.
ساد صمت ثقيل داخل السيارة.
السائق خفّف سرعته تلقائيًا وكأنه يشعر أن الطريق نفسه أصبح خطرًا.
رفعتُ عينيّ إلى المرآة هناك سيارة سوداء تبعد عنا مسافة قصيرة.
تتبعنا.
منذ متى وهي خلفنا؟
ليلى لم تلاحظ. كانت غارقة في طفلها، تهزه بخوف كأنها تحاول حماية شيء غير مرئي أيضًا.
أخرجت الهاتف واتصلت بالمحامي مرة أخرى عادل في حد بيتابعنا.
صوته تغيّر ما توقفش في أي مكان. روح القسم مباشرة. فورًا.
أغلقت.
وقبل أن أتكلم
انطفأ نور الشارع فجأة.
ثم عاد.
لكن السيارة السوداء خلفنا اقتربت أكثر.
ليلى همست عمي أنا خايفة.
لم أجبها.
لأنني في تلك اللحظة رأيت شيئًا جعل الخوف يتغير شكله داخليًا
على الزجاج الخلفي للسيارة المطاردة، كان هناك ملصق مستشفى.
نفس المستشفى الذي طُردت منه ليلى.
قلت للسائق بصوت حاد دوس بنزين.
وفجأة
رن هاتف ليلى مرة ثالثة.
لكن هذه المرة رقم غير مسجل.
نظرت إليه.
أنا أخذته منها قبل أن تفتح.
ضغطت زر الرد.
جاء صوت رجل هادئ بشكل مخيف
الطفل ده مش لازم يفضل معاها.
ثم صمت ثانيتين.
وأضاف لأنها لو عرفت الحقيقة هتخسره للأبد.
انقطع الخط.
ليلى صرخت رد! رد! قال إيه؟!
لكنني كنت أنظر للأمام فقط
لأننا كنا نقترب من بوابة بيت حسن.
والسيارة السوداء لم تعد خلفنا فقط.
بل أصبحت أمامنا مباشرة السائق ضغط الفرامل فجأة قبل ما نصطدم.
توقفت
العربية على بعد خطوات من السيارة السوداء.
لحظة صمت ثقيلة كأن الشارع كله اتشلّ.
باب العربية
تم نسخ الرابط