حماتي سخرت

لمحة نيوز

حماتي سخرت من أمي عشان أصولها الريفية وجوزي ضربها بالقلم قدّام الناس كلها بسبب طبق شوربة. وساعتها بس قررت أطلع السر اللي ماكانش لازم أي عروسة تعرفه عن العيلة دي.
كل حاجة بدأت في حفلة خطوبة رودريغو، أخو جوزي الصغير.
البيت كان مليان ناس وضحك ومزيكا، والكل لابس شيك كأننا في حفلة من أفلام الأغنيا. أما أمي فكانت قاعدة على طرف السفرة، هادية كعادتها، تحاول تبان مرتاحة رغم نظرات حماتي اللي كانت تجرح أكتر من الكلام.
حماتي، تيريزا، طول عمرها شايفة إن أمي فلاحة. عمرها ما نسيت تلمّح إننا أقل منهم.
أول ما الخدامة حطت الشوربة، أمي قالت بهدوء شلت شوية دهن بس عشان ماريانا معدتها تعبانة من الحمل.
حماتي رفعت المعلقة وداقتها وبعدين كشت وشها بقرف متعمد.
إيه ده؟ الشوربة طعمها ميت.
وسكتت لحظة، قبل ما تكمل بصوت أعلى واضح أوي لما الطبخ يطلع من ناس جاية من الغيطان مافيش ذوق.
حسيت وشي ولّع. بصيت لأمي، لقيتها منزلّة عينيها في الطبق كأنها بتحاول تختفي.
قالت بهدوء مكسور أنا بس خففتها عشان بنتي.
دييغو حتى ما بصليش. كان بيصب مية لأمه بكل هدوء، وقال أمي بتحب الحاجة تتعمل بطريقتها في بيتها.
أمي رفعت عينها وقالت أنا ماقصدتش إساءة يا ابني.
لكن حماتي ضحكت بسخرية بعض الناس مهما لبسوا واتعلموا يفضل الأصل باين.
الجملة دي قتلتني.
كنت مستنية دييغو يدافع عنها. أي كلمة. أي موقف.
لكنه حط الكوباية على الترابيزة ببرود وقال لو كانت أمك تعرف الأصول، ماكنّاش اضطرّينا نعلمها.
أمي شهقت بخضة. وقالت بصوت مرتعش أنا حماتك

يا دييغو كلمني باحترام.
وفجأة وقف.
ببطء.
لف ناحيتها وفي ثانية واحدة، القلم نزل على وشها.
صوت الصفعة وقف المزيكا كلها.
أمي اترمت براسها ناحية الكرسي، وإيديها راحت تلقائيًا على خدها.
وأنا حسيت إن الدنيا اسودّت قدامي.
لكن الأسوأ؟
إن محدش اتكلم.
ولا واحد من العيلة فتح بقه. كأن اللي حصل عادي.
أما حماتي فابتسمت.
ابتسامة رضا مقرفة، وكأن ابنها رجّع هيبة البيت.
خدت أمي على أوضة الضيوف، وهي بتحاول تمنع دموعها. لكن أول ما الباب اتقفل، انهارت.
وقالت وهي بتعيط سامحيني يا بنتي ماكنش قصدي أحرجك.
وقتها، حاجة جوايا ماتت.
رجعت الصالة ولقيتهم بيضحكوا تاني.
كأن أمي ما اتهانتش. كأن جوزي ما ضربهاش.
دييغو بصلي بضيق وقال روحي اعتذري لأمي ونقفل الموضوع.
ساعتها ابتسمت لأول مرة الليلة دي.
بس ماكنتش ابتسامة خوف.
دي كانت بداية الانتقام بصيتله وابتسامتي كانت هادية بشكل خوّفه.
يمكن لأول مرة يشوفني ساكتة من غير دموع. من غير رجاء. من غير خوف.
قلت بهدوء أعتذر؟
هز راسه بعصبية أيوه. أمك غلطت، وأمي اتعصبت. خلّصي الموضوع بدل الفضايح.
الفضايح؟
بصيت حواليّا. الناس رجعت تاكل وتضحك كأنهم كانوا مستنيين الضحية تسكت وبس.
حتى رودريغو، أخوه الليلة دي ليلته، كان واقف بعيد عامل نفسه مش شايف حاجة. أما خطيبته، إيلينا، فكانت باصة لي بصدمة وخوف.
مشيت ببطء لحد نص السفرة.
كل العيون راحت عليّا.
حماتي رفعت حاجبها بثقة وقالت أخيرًا هتعرفي مقامك.
لكن بدل ما أبص لها بصيت لأم إيلينا.
وقلت حضرتك قبل ما تجوزي بنتك للعيلة دي، لازم
تعرفي حاجة.
دييغو اتجمد مكانه.
ماريانا اخرسي.
طنشته.
وكملت وأنا حاسة قلبي بيدق بعنف اللي شفتوه النهارده مش أول مرة.
الصمت وقع تقيل.
حماتي قامت واقفة بسرعة إنتِ اتجننتي؟
لكنّي فتحت شنطتي بهدوء وطلعت من جواها علبة صغيرة قديمة.
علبة كنت مخبياها بقالي سنة ونص.
دييغو أول ما شافها وشه اتحول للون الرماد.
همس بخوف إنتِ لسه محتفظة بيها؟
رفعت الغطا.
وجواها كان فيه صور.
صور لوشي وأنا متكسر. صورة لدراعي الأزرق بعد ما مسكني بعنف. وصورة لسونيا مرات أخوه الكبير بشفايف متقطعة وهي بتحاول تبتسم للكاميرا.
شهقة طلعت من أكتر من شخص.
إيلينا قربت خطوة وهي بتقول إيه ده؟
بلعت ريقي وقلت دي مش عيلة دي سلسلة رجالة متربين إن الست لازم تنضرب عشان تسمع الكلام.
حماتي صرخت كدابة!
لكن سونيا اللي طول الوقت كانت ساكتة بدأت تعيط.
وهنا بس عرفت إن السر اللي خبّوه سنين ابتدى يقع قدام الناس كلها.
وفجأة دييغو مسك دراعي بعنف لدرجة إني اتأوهت.
وقرب من ودني وهمس بصوت مرعب إنتِ مش فاهمة إنتِ عملتي إيه.
لكن قبل ما يكمّل
صوت حد ضرب الترابيزة بقوة هز المكان كله أمي صرخت أول ما شافت الدم.
يا نهار أبيض البيبي!
الدنيا اتقلبت في ثانية.
الستات قامت تصوت، والكراسي بتتحرك بعشوائية، وفرقة المزيكا اختفت كأنها تبخرت.
أما أنا فكنت حاسة إن الصوت بعيد. بعيد أوي.
إيدي على بطني، والألم بيشد جوايا بعنف، وأنفاسي بتتقطع.
دييغو قرب فجأة، ووشه شاحب ماريانا
لكن أمي زقّته بعيد بكل القوة اللي عندها.
ما تلمسهاش!
كانت أول مرة أشوف أمي بالشكل
ده. بعينيها نار. وخدها لسه عليه أثر القلم.
حماتي حاولت تتكلم أكيد بتمثل عشان
لكن والد إيلينا لفّ عليها بعصبية اخرسي!
أول مرة حد يكسّر صوتها قدام الناس.
حسيت برجلي بتضعف، ولولا أمي كان زماني وقعت. سونيا جريت جابت شنطة الإسعافات وهي بتعيط، بينما رودريغو واقف متجمد كأنه بدأ يفهم أخيرًا العيلة اللي اتربى فيها.
دييغو حاول يقرب تاني أنا هاخدها المستشفى.
لكنّي رفعت عيني ليه ولأول مرة، ماحسّتش نحوه بأي حب.
ولا خوف.
بس قرف.
قلت بصوت متقطع ابني مش هتلمسه.
الجملة نزلت عليه كأنها طعنة.
ماريانا، إنتِ مش في وعيك.
ضحكت رغم الألم. لا دي أول مرة أبقى في وعيي.
وفجأة سونيا وقعت منها شنطة الإسعافات على الأرض.
كلنا بصينا عليها.
كانت باصة على رقبة دييغو بصدمة.
فيه سلسلة دهب صغيرة كانت طالعة من ياقة قميصه بسبب الخناقة.
سلسلة أنا عارفاها كويس.
لأنها كانت بتاعة أختي.
أختي اللي ماتت من أربع سنين.
الهواء خرج من صدري مرة واحدة.
قربت خطوة وأنا هامسة السلسلة دي جاتلك منين؟
دييغو بسرعة خبّاها جوه القميص. لكن كان فات الأوان.
أمي وشها اصفر فجأة.
وسونيا حطت إيديها على بقها وكأنها فهمت حاجة مرعبة.
أما حماتي فاتغير وشها تمامًا.
ولأول مرة من بداية الليلة شفت الخوف الحقيقي في عينيها الكل لفّ ناحية الصوت بخضة.
كان والد إيلينا.
واقف، ووشه أحمر من الغضب، وكفه مضغوط على الترابيزة لدرجة إن الكاسات اتهزت.
بص لرودريغو وقال بصوت جهوري إنت كنت عارف؟
رودريغو اتلخبط. عمي الموضوع مش زي ما هي فاهمة
قاطعه الراجل بعصبية
أخت مرات أخوك متضربة ومرات أخوك نفسها معترفة إنه بيضربها وإنت واقف ساكت؟!
إيلينا بدأت ترجع لورا ببطء،
تم نسخ الرابط