رجعت البيت

لمحة نيوز

أحمد طول الطريق للمستشفى كان سايق كأنه بيهرب من حريق ماسك في روحه. إيده الشمال ماسكة الدريكسيون بعنف، وإيده اليمين كل شوية تتحسس رقبة صفيّة اللي كانت نايمة في الكرسي الخلفي ورأسها ميلة بطريقة خوّفته أكتر. مازن كان بيصرخ بضعف من كتر ما صوته اتبح، والعرق مغرق جسمه الصغير. قلب أحمد كان بيتقطع بين الاتنين، ومخه بيرجع يعيد آخر شهور حرفيًا ثانية بثانية.
افتكر وش صفيّة بعد الولادة كانت بتبتسم رغم الألم، وتقول له بصوت متكسر أنا كويسة بس الجرح واجعني شوية.
وهو كان يصدق.
كان فاكر إن أمه فعلاً جاية تساعد.
في الاستقبال، الممرضين جروا ناحية صفيّة أول ما شافوا حالتها. الدكتور كشف بسرعة، ووشه اتقلب فجأة هي عندها نزيف داخلي حاد وضغطها واقع جدًا اتأخرتوا عليها!
الجملة نزلت على أحمد زي الرصاص.
اتأخرتوا عليها.
يعني لو كان رجع متأخر نص ساعة بس كانت ماتت.
حس برجليه بتخونه، وقعد على الكرسي وهو شايل مازن اللي بدأ يهدى أخيرًا بعد ما شرب شوية مية. الطفل كان متعلق في قميص أبوه الصغير بأصابعه المرتعشة كأنه فاهم إن الدنيا كلها خطر إلا الراجل ده.
بعد ساعة كاملة من الانتظار المرعب، خرج الدكتور وقال الحمد لله لحقناها بس جسمها كان منهك بشكل غير طبيعي. واضح إنها كانت بتتحرك كتير جدًا بعد العملية، وده فتح الجرح الداخلي. مين كان بيراعيها؟
أحمد مقدرش يرد.
لأول مرة في حياته اتكسف يقول أمي.
دخل الحمام وغسل وشه بمية ساقعة، لكنه لما رفع عينيه للمراية شاف واحد غريب. واحد فشل يحمي مراته وابنه.
وفجأة افتكر الكاميرات.
طلع موبايله بسرعة وفتح التطبيق. كانت 4 كاميرات

موزعين في الصالة والمطبخ والممر.
أول فيديو فتحه كان من الساعة 8 الصبح.
صفيّة كانت واقفة بالعافية، ماسكة جنبها بإيد، وبالإيد التانية بتحاول تهدي مازن اللي بيعيط. الحاجة روضة كانت قاعدة على الكنبة بتقشر لب سوري وبتتفرج على برنامج طبخ.
صفيّة قالت بصوت واطي يا طنط الجرح بيفتح عليا ممكن تشيلي مازن خمس دقايق بس أعمل الرضاعة؟
الحاجة روضة حتى مبصتلهاش. إحنا كنا بنولد في الغيط ونربط بطننا ونشتغل. دلع البنات اللي زيك هو اللي مفسد الدنيا.
الفيديو اللي بعده كان الساعة 10.
صفيّة بتحاول تكنس الصالة وهي بتمسك بطنها من الألم. مازن بيصرخ في الكرسي الهزاز. الحاجة روضة طلبت منها تعمل محشي.
محشي.
لواحدة عاملة قيصرية من 3 أسابيع.
أحمد حس الدم بيفور في عروقه.
بس الفيديو اللي بعده هو اللي كسر حاجة جواه للأبد.
الساعة كانت 1247.
مازن كان بيعيط بعنف. صفيّة دخلت الحمام دقيقة واحدة. الحاجة روضة قامت بعصبية، وراحت ناحية الطفل، وانحنت عليه وهي بتزعق اسكت بقى يا ابنها! حرقتلي دمي!
وبعدين بإيدها ضغطت المخدة الصغيرة على وش الطفل لثانيتين كاملين.
ثانيتين.
بس كانوا كفاية يخلو أحمد يصرخ بصوت عالي جوه حمام المستشفى لدرجة إن ممرضتين اتخضوا.
رجع بص للفيديو ودموعه نازلة، شاف مازن بيتشنج برجليه الصغيرة ويحاول يتحرك، وبعدها الحاجة روضة شالت المخدة وقالت أهو سكت.
أحمد وقع منه الموبايل.
إيده كلها كانت بتترعش.
أمه حاولت تخنق ابنه.
ابنه.
فتح فيديو تاني وهو حرفيًا مش قادر يتنفس. الساعة 130.
صفيّة كانت واقفة عند الحوض بتغسل حلة كبيرة، وفجأة وشها اصفر، وسابت الحلة ووقعت
على الأرض جامد. واضح إنها فقدت الوعي وقتها.
الحاجة روضة خرجت من أوضتها، بصتلها وهي مرمية وبكل برود رجعت تكمل أكل.
ولا حتى حاولت تصحيها.
ولا إسعاف.
ولا نقطة مية.
ولا حتى شالت الطفل اللي كان بيصرخ جنب أمه المغمى عليها.
فضلت صفيّة مرمية على الأرض 42 دقيقة كاملة.
أحمد حس معدته بتتقلب.
في اللحظة دي خد القرار.
مش بس هتبعد عن حياته دي لازم تتحاسب.
طلع من الحمام واتصل بصاحبه كريم اللي شغال محامي.
بعتله الفيديوهات كلها.
كريم سكت دقيقة كاملة بعد ما شافها، وبعدها قال دي مش قسوة يا أحمد دي جريمة. لازم تعمل محضر فورًا.
في نفس الوقت، الحاجة روضة كانت قاعدة في الشقة بتكلم قرايبها بعصبية الواد مراته لعبت بعقله! عاملالي بلوك ومش بيرد! شوية دلع بنات.
لكن الساعة 8 بالليل، الباب خبط.
فتحت وهي متعصبة واتجمدت.
أحمد واقف.
بس مش لوحده.
كان معاه ظابطين.
وشه كان جامد بطريقة عمرها ما شافتها فيه.
قالها بهدوء مرعب خدي طرحتك وتعالي.
بدأت تصوت إيه؟! إنت جبت البوليس لأمك يا عاق؟!
أحمد طلع موبايله، وفتح الفيديو قدامها.
أول ما ظهر مشهد المخدة على وش مازن لون وشها اتسحب.
اتلخبطت وبدأت تبرر كنت بهزر! كنت بخوفه بس!
أحمد قرب منها وقال بصوت مبحوح وأنتِ سايبة مراتي تنزف على الأرض ساعة كاملة؟ ده هزار برضه؟
الحاجة روضة لأول مرة خافت.
مش من البوليس
من نظرة ابنها.
النظرة اللي فهمت منها إنه خلاص مات جواه أي حب ناحيتها.
اتعمل محضر رسمي، والنيابة طلبت تفريغ الكاميرات بالكامل. الجيران اللي كانت بتعمل قدامهم دور الأم الحنينة اتصدموا لما الحقيقة انتشرت. قرايب كتير حاولوا
يضغطوا على أحمد دي أمك مهما عملت.
لكنه رد جملة واحدة واللي كانت هتموت مراتي وتخنق ابني تبقى إيه؟
صفيّة فضلت في المستشفى 6 أيام. كانت بتصحى أوقات وتنام أوقات من التعب والمسكنات. وفي ليلة هادية، فتحت عينيها لقت أحمد قاعد جنبها ماسك إيدها وبيبكي.
أول ما شافته قالت بخوف مازن كويس؟
أحمد حضن إيدها وباسها أنا آسف والله ما هخلي حد يلمسك تاني.
صفيّة بكت لأول مرة من ساعة الولادة. مش من الألم
من الأمان.
بعد شهرين، أحمد نقل من شقته تمامًا. قطع أي علاقة بأمه. القضية فضلت شغالة، والفيديوهات كانت كفاية تخلي الكل يشوف حقيقتها اللي كانت مستخبية سنين ورا سبحة وكلمتين دين.
أما الحاجة روضة، ففضلت تلف على القرايب تقول إن ابنها اتغير عليه بسبب مراته.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير.
ابنها بس شافها على حقيقتها أخيرًا.
وفي ليلة هادية بعد كل اللي حصل، أحمد كان شايل مازن اللي نام على صدره، وصفيّة واقفة في البلكونة بتستنشق هوا أكتوبر البارد، لما سمعها بتقول بصوت مكسور أنا كنت فاكرة إني هموت اليوم ده.
أحمد قرب منها وحضنها من ضهرها وقال لا اليوم ده كان اليوم اللي اتولدنا فيه من جديد.
بعد ست شهور من ولادة إلياس، كان البيت الصغير اللي عايشين فيه على أطراف مدينة ساحلية هادية شبه حياة تانية خالص حياة ما فيهاش رخام ولا حراس ولا موائد طويلة مليانة ناس بتضحك بوشوش مزيفة.
كان البيت قديم، بس دافي.
شبابيكه الخشب بتصر وقت الهوا والمطبخ صغير لدرجة إن أليخاندرو كان كل مرة يخبط في الترابيزة وهو شايل الأطباق، وفاليريا كانت تضحك لأول مرة بضحكة حقيقية مش خايفة بعدها
يحصل عقاب.
لكن الخوف ماكانش اختفى فعلًا.
الخوف كان ساكن تحت جلدهم.
خصوصًا
تم نسخ الرابط