حين خان الأبناء دموع الأم
المحتويات
عنوان القصة حين خان الأبناء دموع الأم
تحكي إحدى العاملات في دار المسنين هذه القصة قائلة لقد مرت علي وجوه كثيرة في هذا المكان منها من نسيها الزمن ومنها من نسيها أبناؤها غير أن امرأة واحدة لم أستطع نسيانها أبدا كانت تدعى الحاجة خديجة سيدة تجاوزت الثانية والثمانين من عمرها حين توفيت وقد مكثت بين جدران هذا الدار قرابة العشرين عاما عشرون عاما من الوحدة والذكريات التي تأبى أن تموت.
أذكر تماما اليوم الذي دخلت فيه الحاجة خديجة إلى دارنا كان يوما رماديا كئيبا السماء ملبدة بالغيوم والرياح تدور في فناء الدار كأنها تنذر بحزن قادم. جاء بها ابنها الطبيب علاء شاب أنيق المظهر يرتدي بذلة فاخرة يحمل هاتفين لا يفارقانهما وفي عينيه تلك اللمعة الباردة التي تخفي أكثر مما تظهر. كانت والدته
حين استقبلتها صافحتني بيد مرتجفة وعيناها غارقتان في الدموع سألتها برقة هل تشعرين بالتعب يا حاجة فأجابت بصوت خافت يشبه الهمس ليس تعب الجسد يا ابنتي بل تعب القلب.
لم تكن تعرف أنها جاءت لتبقى. ظنت كما أخبرها ابنها أنها في نزهة قصيرة لتستريح قليلا من عناء البيت لكن الأيام كشفت لها الخديعة ببطء مؤلم.
وفي تلك الليلة حين جلست بجانبها لأطمئن عليها بدأت تحكي لي قصتها. كانت كلماتها تنساب كأنها تفرغ من صدرها أثقال السنين. قالت
كنت معلمة للغة الفرنسية في مدرسة عريقة وكنت أحب عملي كما أحب أولادي. تعرفت في المدرسة إلى زميل لي الأستاذ سامي كان مهذبا لطيفا يملك ذلك
توقفت قليلا ومسحت دموعها ثم تابعت بصوت يختنق بالعبرة تزوجنا وعشنا سنوات من أجمل ما يكون. أنجبت منه ثلاثة أبناء هدى مروان وعلاء. كان بيتنا بسيطا لكنه مفعم بالحب. كنت أدرس بالنهار وأساعد أولادي في دراستهم بالليل أما زوجي فكان أحن الناس علينا لا يرفع صوته ولا يغضب أبدا.
ثم خيم الصمت لحظة قبل أن تهمس لكن القدر لم يمهلنا طويلا.
توفي زوجي في حادث سير أثناء عودته من المدرسة وكان ذلك اليوم كأنه نهاية العالم بالنسبة لي. وجدت نفسي وحيدة أواجه الحياة وثلاثة أطفال صغار لا يعرفون من الدنيا سوى حضن أمهم.
هل فكرت بالزواج مرة أخرى سألتها. ابتسمت بحزن وقالت كثيرون حاولوا إقناعي حتى
قضت سنوات عمرها تعمل بلا راحة من مدرسة إلى أخرى ومن درس خصوصي إلى آخر حتى تمكنت من تعليم أولادها في مدارس راقية كما قالت أردتهم أن يرفعوا رؤوسهم أن يكونوا فخر أبيهم في قبره كنت أعمل بالنهار وأعطي الدروس حتى منتصف الليل ثم أعود لأجهز لهم طعام الغد وأغسل ملابسهم وكنت أرى في كل تعب وجه زوجي الراحل يبتسم لي من بعيد.
مرت الأعوام وكبر الأبناء وتخرجوا جميعا من كليات مرموقة. هدى سافرت إلى فرنسا لإكمال دراستها وهناك تزوجت من زميل لها واستقرت. أما مروان فقد تزوج من أستاذته في الجامعة وسافر إلى دولة عربية بعد أن حصل على عقد عمل. وأما علاء فقد أصبح طبيبا مرموقا
متابعة القراءة