حين خان الأبناء دموع الأم

لمحة نيوز

وكان هو أملها الوحيد بعد أن غاب عنها البقية.
قالت وهي تنظر إلى النافذة وكأنها ترى شيئا لا أراه حين قال لي علاء إنه سيتزوج فرحت له من قلبي. طلب أن يقيم العرس في بيتنا القديم فوافقت فورا. جددت الأثاث بنفسي وزينت الجدران بالورود حتى الأطباق الجديدة اشتريتها من مدخراتي الصغيرة كنت أريد أن أراه سعيدا.
لكن فرحتها لم تدم طويلا. فمنذ أن دخلت زوجته إلى البيت تبدل كل شيء. كانت تعاملها باحتقار خفي تناديها يا خالتي أمام الناس وتقول لها بصوت متصنع اجلسي وارتاحي لكنها حين يغيب علاء كانت تعاملها كأنها عبء ثقيل على حياتها.
قالت لي وهي تبكي كنت أغسل الصحون بيدي العجوز حتى لا تسمع ضجرها وأكنس البيت وهي تراقبني بصمت. كنت أتحمل لأجل ابني فقط.
ثم جاء اليوم الذي لم تتخيله أبدا.
قالت ذات صباح دخل علاء غرفتي وقال لي بابتسامة باردة أمي حضري حقيبتك سنذهب في نزهة إلى البحر. كدت أطير من الفرح لم أخرج منذ سنوات تخيلت أننا سنجلس على الشاطئ كما كنا نفعل حين كان صغيرا. لبست أجمل ثيابي ووضعت في حقيبتي بعض الحلوى التي كنت أحبها.
ركبنا السيارة وكنت أحدثه طوال الطريق أروي له ذكريات طفولته لكنه كان صامتا أغلب الوقت. وبعد نصف ساعة توقفت السيارة أمام مبنى كبير يحمل لافتة كتب عليها دار الرعاية للمسنين. سألته بدهشة أهذه استراحة بحرية لكنه لم يجب فقط قال بجفاء انزلي يا أمي ستجدين هنا من يهتم بك.
تجمدت في مكاني لم أصدق ما سمعت. قلت له أتهزأ بي أنا أمك يا علاء التي سهرت على تعبك التي حرمت نفسها من الدنيا لأجلك! لكنه تجنب النظر إلي وقال بصوت حاد أرجوك
يا أمي لا تصعبي الأمور البيت ضاق بنا والظروف لا تسمح. ثم تركها ومضى دون أن يلتفت.
هنا انفجرت بالبكاء وأنا لا أملك سوى أن أضع يدي على كتفها وأقول لعلهم يعودون يوما يا حاجة لعلهم يشعرون بما فعلوه. ابتسمت بمرارة وقالت يا ابنتي بعض الجراح لا يبرأ وبعض الأبناء يولدون بأجساد بلا قلوب.
ومنذ ذلك اليوم عاشت الحاجة خديجة في الدار بين جدران صامتة تتحدث إلى صور أبنائها القديمة وتكتب رسائل لا ترسلها. كانت كل ليلة تضع وسادتها على صدرها وتهمس سامحتكم يا أولادي سامحتكم لكني لن أنسى.
مرت السنوات ولم يزرها أحد. إلا هدى التي جاءت مرتين أو ثلاثا وفي كل مرة كانت تبكي ثم ترحل سريعا. أما علاء ومروان فلم تطأ أقدامهما المكان إلا يوم وفاتها.
في صباح يوم بارد دخلت غرفتها لأطمئن عليها
وجدتها نائمة بسلام وجهها مطمئن كمن عاد إلى داره الحقيقي. بين يديها ورقة كتبت فيها بخط متعب إن سامحتكم في الدنيا فالله وحده يعلم أن قلبي مات قبل جسدي.
بعد وفاتها حضر أبناؤها الثلاثة معا لا ليودعوها بل ليوقعوا على أوراق الميراث. لم يبك أحدهم لم يضع أحدهم وردة على قبرها فقط كانوا يتحدثون عن الأوراق والممتلكات وكأنهم ينهون معاملة بنكية.
أيها القارئ العزيز هل يستحق هؤلاء أن يدعوا أبناء أي قلب هذا الذي يطرد أما أفنت شبابها لأجلهم تأمل جيدا فالأم ليست عبئا يزال بل هي البركة التي إن رحلت رحل معها الرزق والرحمة من البيت. إن كانت أمك على قيد الحياة فاقترب منها الآن قل لها كلمة طيبة قبل أن يأتي يوم تتمنى فيه لو تعود دقيقة واحدة فقط لتسمع صوتها.
حين_خان_الأبناء_دموع_
الأم

تم نسخ الرابط