وعد امه ان ياخذها نزهة للبحر ولكن المفاجأة كانت صادمة
ابتسم الزوج ابتسامة خفيفة تخفي وراءها حزنًا عميقًا وقال:
– كما تشائين، ستكون لها مائدة وحدها… لكن قولي لي، هل الأمر يقتصر على يديها؟ أم أن وجودها في بيتنا يضايقكِ عمومًا؟
قالت ببرودٍ أشدّ:
– بصراحة؟ وجودها كله يضايقني… لا أشعر بالراحة في البيت وهي هنا.
ظلّ الزوج صامتًا لثوانٍ، ثم قال:
– كما تعلمين، هي لا تملك أحدًا غيري، عجوز ضعيفة، فبماذا تنصحين؟
قالت بلهجة حازمة:
– الحل بسيط… دار المسنين. اذهب بها إلى هناك، واسأل عنها بين الحين والآخر، أما إن بقيت هنا… فسأغادر إلى بيت أهلي.
نظر إليها طويلاً، ثم قال:
– حسنًا… كما تريدين، أهم شيء راحتكِ.
ثم تركها ودخل إلى غرفة أمه.
نظرت إليه الأم بعينيها المرهقتين وقالت بلطف:
– ما بك يا بني؟ أزوجتك مريضة؟ لم
ابتسم بحزن وقال:
– نعم يا أمي، إنها مريضة قليلًا، لا تقلقي عليها.
قالت الأم وهي ترفع يديها:
– ربي يشفيها ويحفظكم جميعًا.
قبّل رأسها وقال:
– غدًا، يا أمي، سنذهب إلى مكانٍ مختلف، لكن أرجوك لا تعترضي.
ابتسمت الأم وقالت:
– كما تريد يا ولدي، أثق بحكمتك دائمًا.
في اليوم التالي، أخذ الزوج زوجته وأمه إلى بيت والد الزوجة، تلبيةً لدعوتهم.
وعندما جلس الجميع، استأذن والد الزوجة ليتحدث إلى صهره على انفراد.
قال الأب بوجهٍ متجهّم:
– انظر يا بني، ابنتي ضاقت ذرعًا بوجود والدتك في بيتكم، وأنا أوافقها تمامًا. يجب أن تجد حلًا وإلا فلن تعود إليك.
ابتسم الزوج بهدوء وقال:
– لا تقلق، لقد قررنا أن نأخذها إلى دار المسنين بعد زيارتكم.
قال الأب مرتاحًا:
–
جلس الجميع إلى المائدة، لكن أم الزوج لم تكن معهم، فقد أمرت الزوجة أن تأكل في غرفةٍ أخرى.
همست الزوجة لزوجها:
– لا تقلق عليها، إنها تتناول طعامها وحدها كما تريد.
نظر الزوج إليها نظرة طويلة، ثم إلى الوجوه الجالسة حول المائدة، وقال بصوتٍ ثابتٍ ومؤلم:
– أعتذر… لا أستطيع الأكل معكم.
وقف من مكانه وسط دهشة الجميع، وقال بنبرةٍ ارتجف فيها الغضب والوجع:
– لأن أيديكم قذرة… كقلوبكم.
ارتفعت الأصوات من حوله، ووقف والد الزوجة غاضبًا:
– ما هذا الكلام؟!
نظر الزوج في عينيه وقال:
– هكذا شعرتُ بالأمس حين قالت ابنتك عن أمي إن يديها قذرتان…
أنتم اليوم غضبتم من كلمتي، فكيف لم أغضب أنا من كلمتها؟
ثم تابع بنبرةٍ حادةٍ مملوءةٍ بالدموع:
–
غدًا، حين تكبر ابنتك وتضيق بك، هل ستقبل أن تتركك كما طلبتَ مني أن أترك أمي؟
صمت المكان، وانخفضت الرؤوس خجلًا.
نادَى أمه العجوز، فخرجت متعبة، لا تعرف ما الذي يحدث.
اقترب منها، وخرّ على ركبتيه يقبّل يديها ورجليها، ودموعه تسيل على الأرض.
قال بصوتٍ مخنوق:
– هيا يا أمي… لن نبقى هنا، هيا بي إلى الجنة برضاكِ عني.
أمسك يدها وسار بها نحو الباب، والتفت إلى أهل زوجته وقال:
– لكم دنياكم… ولي الجنة.
وغادر، تاركًا وراءه بيتًا امتلأ بالندم والصمت.
⸻
اللهم احفظ الأمهات جميعًا، وارحم من رحلن منهن، وازرع في قلوب الأبناء رحمةً لا تزول.
تذكّر دائمًا:
هي من سهرت لتنام، وجاعت لتأكل، وبكت
فلا تجعلها تبكي في آخر عمرها بسبب “امرأةٍ نسيت أنها ستكون يومًا أمًا مثلها