قصة ايميلي

لمحة نيوز

وإحنا قاعدين على الأرض بنفرش البيت بصت لي فجأة وقالت أول مرة أحس إن عندي مستقبل مش مبني على الخوف. الجملة دي كسرتني لأن ساعتها بس استوعبت قد إيه الماضي كان مسيطر على كل نفس في حياتها. بعد شهور وصلنا خبر إن مارك حاول ينتحر في السجن وفشل وما حسيتش بالانتصار زي ما توقعت حسيت بس إن الدائرة اتقفلت وإن الشر اللي عاش جوه سنين طويلة أخيرا فقد قدرته على إيذاء أي حد تاني. اخترنا ما نرجعش نتكلم عن الموضوع علنا لكن إيميلي قررت تساعد غيرها تطوعت في مركز دعم للناجيات كانت بتسمع قصص تشبه قصتها وكل مرة كانت تحكي كانت بتشفى شوية. أما أنا فتعلمت إن الحماية مش قوة صوت ولا غضب الحماية إنك تصدق وتفضل موجود حتى لما الطريق يبقى طويل ومرهق. بعد سنتين وقفنا في شرفة بيتنا الصغير الشمس كانت بتغيب وإيميلي حطت راسها على كتفي وقالت بهدوء ليلة فرحنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت دلوقتي عارفة إنها كانت بتبدأ. في اللحظة دي عرفت إن القصة ما كانتش عن الألم ولا حتى عن العدالة كانت عن النجاة وعن إن الحب الحقيقي مش بيشفي الجروح فجأة لكنه بيخليك قوي كفاية تعيش رغمها.
مرت سنوات والهدوء
اللي بنيناه بإيدينا بدأ ياخد شكل الاستقرار الحقيقي مش الهدوء الحذر اللي بييجي بعد الصدمة لكن هدوء الناس اللي عارفين نفسهم وعارفين حدودهم. إيميلي ما بقتش بس ناجية بقت امرأة مختلفة أقوى أوضح ما بتكسرش عينيها وهي بتتكلم وما بتعتذرش عن وجودها. المركز اللي كانت بتتطوع فيه عرض عليها تشتغل بشكل رسمي وفي كل مرة كانت ترجع البيت وتحكيلي عن واحدة سمعت قصتها لأول مرة أو بنت كانت فاكرة إن الصمت هو الحل كنت بشوف في عينيها معنى جديد للشفاء كأنها بتنقذ نفسها من جديد في كل مرة تمد إيدها لحد تاني. لكن الماضي مهما بعد أحيانا بيرجع يطرق الباب بطرق غير متوقعة. في يوم وصلنا جواب رسمي مارك مات في السجن سكتة قلبية مفاجئة. الورقة وقعت من إيد إيميلي وقعدت على الكرسي لفترة طويلة من غير دموع من غير صوت. كنت فاكر إن الخبر ده هيحررها لكنه عمل العكس في اللحظة الأولى رجع أسئلة عمرها ما اتسألت غضب ما اتقالش ووجع ما اتشافش. الليلة دي فضلت صاحي جنبها ولأول مرة هي اللي مسكت إيدي وقالت أنا زعلانة مش عليه زعلانة على السنين اللي ضاعت. فهمت ساعتها إن النهاية الحقيقية مش دايما في
موت الشر لكن في إنك تسمح لنفسك تحزن على اللي اتسرق منك. بعدها بشهور إيميلي طلبت مني نرجع المكان القديم المدينة اللي هربنا منها. خوفت بس وافقت. مش علشان نعيش هناك لكن علشان تواجه. وقفنا قدام البيت القديم البيت اللي كان شاهد على صمت طويل بصت له بهدوء وقالت هنا كنت ضعيفة بس مش خلاص. مشينا من غير ما ندخل وكأنها سابت الماضي وراها رسميا. بعد الرحلة دي علاقتنا دخلت مرحلة أعمق ما بقيناش بنهرب من الكلام الصعب بقينا نواجهه سوا. اتخانقنا بكينا ضحكنا اتعلمنا إن الحب مش وعد بالحماية بس لكنه شراكة في الحقيقة حتى لما تكون موجعة. في يوم بسيط جدا من غير تخطيط قالتلي إنها عايزة طفل مش علشان تثبت حاجة لكن علشان تبني حاجة جديدة حياة ما فيهاش خوف. لما مسكت إيدها وقتها افتكرت ليلة زفافنا الهمسة المرتعشة الكدمات الغضب والوعد. أدركت إن الوعد ده ما كانش لحظة بطولة كان طريق طويل مليان تعب لكنه استاهل. القصة دي ما كانتش عن شرير اتحبس أو عدالة اتحققت وبس كانت عن امرأة قررت تعيش وعن رجل اتعلم إن الحب الحقيقي أحيانا بيبدأ لما كل الأوهام بتقع وإن أقوى البيوت ممكن تتبني
فوق أرض كانت مكسورة طالما اللي فيها قرروا يفضلوا واقفين مع بعض.
في صباح هادئ بعد سنوات من تلك الليلة التي بدأت بالخوف وقفت إيميلي أمام المرآة في بيتنا مش نفس المرآة ولا نفس المرأة. لم تكن تخفي كدمات ولا ترتجف من لمسة ولا تهمس برجاء. كانت تبتسم. ابتسامة حقيقية ثابتة ابتسامة إنسانة عاشت الألم ولم يعد يملكها. خرجت إلى الشرفة حيث كنت أقف وضعت يدها على يدي وقالت بهدوء يشبه السلام أنا مش الضحية اللي اتجوزتها ولا البنت اللي خافت تسكت أنا نفسي أخيرا. في تلك اللحظة فهمت أن القصة انتهت فعلا ليس لأن الشر اختفى ولا لأن الماضي تغير بل لأن الخوف لم يعد يحكم حاضرنا. لم ننس ولم نمسح الوجع لكننا لم نعد نعيش فيه. تعلمنا أن النجاة ليست صراخا ولا انتقاما بل اختيار يومي للحياة اختيار إنك تقوم كل صباح وتقول أنا هنا ولسه مكمل. ليلة زفافنا لم تكن بداية حبنا كانت بداية الحقيقة والحقيقة كانت مؤلمة لكنها قادتنا إلى حياة صادقة بلا أقنعة ولا همسات. ومع كل نفس جديد ومع كل خطوة للأمام كنا نترك الماضي خلفنا لا كذكرى مهزومة بل كدليل أننا نجونا وأننا استحققنا النهاية دي.

تم نسخ الرابط