تحت الثلج
درس في التضحية. حتى لما أتعامل مع حالات موت طبيعي أو حوادث بسيطة، كنت بلا إرادة بلاقي نفسي بفكر فيهم… لو كل الناس عرفوا قيمة التضحية والدفء اللي ممكن يقدمه إنسان للآخر، يمكن العالم يكون مختلف.
في إحدى الليالي الباردة، جلست لوحدي في غرفة التشريح بعد انتهاء نوبتي، أبص للنوافذ المغطاة بالثلج، وحسيت ببرودة غير عادية… مش برد الجو، لكن برد اللي فقد الحب الحقيقي. كتبت في مفكرتي الصغيرة: "الحب الحقيقي ممكن يخلي الإنسان يموت عشان الآخر يعيش دافئ… ده الحب اللي عمره ما يموت في القلب حتى لو الجسد رحل." وكانت دموعي تسيل، مش حزن بس، لكن تقدير… احترام… عرفان بأغلى شعور في الحياة، شعور إنك تحب حد لدرجة تخاطر بحياتك عشان تبقيه دافي وآمن.
رجعت بعد أيام للبيت الخشبي اللي عاش فيه دون جوزيه وماريا، المكان كان فاضي وصامت… كل حاجة هناك كانت بتتكلم بصمت: السرير المرمى على جنب، الأكواب الصغيرة اللي كانت متروكة
اللي ضايقني أكتر… إن كل ده وقع في صمت، من غير شهود، من غير تقدير، من غير أي حد يعرف مين اللي ضحّى. الناس شايفة موت طبيعي، أنا اللي كنت عارف الحقيقة: جسد دون جوزيه مجمد… بس روحه كانت كلها دفء… كل تصرف عمله كان عشان ماريا تعيش آخر لحظات حياتها دافئة وآمنة… وكل ثانية من حياته انتهت وهو ماسك زر قميصها، عشان يحسها قريبة منه لآخر لحظة.
في كل ليلة بعد الحادثة، وأنا راجع الحالات في المستشفى، كنت
رجعت كل مرة لمكتبتي في المستشفى وكتبت: "الحب ممكن يدفّي حد ويموت الشخص اللي بيقدمه… ده الحب الحقيقي اللي عمره ما يموت." وبقيت كل مرة أشوف الجثث أو الحالات اللي مشابهة، أفتكر زر القميص اللي ماريا ماسكاه، جاكيت دون جوزيه، الشراب الصوفي، كل حاجة… وكنت أحس بغصة كبيرة… حب صادق، تضحية مطلقة، درس في الإنسانية… درس في إنك تحب
وأحيانًا، بعد شفت كل ده، كنت أقعد وأتخيل لو كل الناس يعرفوا قيمة التضحية… قيمة الدفء اللي ممكن يديه حد للآخر… يمكن العالم كله يكون مختلف. يمكن الناس تحب أكتر، تضحّي أكتر، تدفي بعض مش بالكلام، لكن بالفعل. وكنت بلا وعي أعيط، وأعيط تاني، وأعيط على الحب اللي شفت، الحب اللي خلّى قلبي يتذكر إن الإنسانية مش بس أفعال يومية، لكن ممكن تكون موت لشخص عشان الآخر يعيش.
وفي النهاية، كتبت آخر ملاحظة في سجلي: "سبب الوفاة: الحب المطلق… الحب اللي اتجمد صاحبه عشان يدفّي الآخر… الحب اللي عمره ما يموت في القلب مهما رحل الجسد." وبعدها، قفلت السجلات، وبقيت واقف في الغرفة، أبص للنافذة المغطاة بالثلج، وحسيت إن الدنيا برد… بس الحب اللي شفته هناك، دفاني، علّمني إن حتى في أقسى الظروف، الحب ممكن يكون أقوى من أي شيء، أقوى من الموت نفسه، وأغلى من أي ثروة في