سر الاكل
كل صباح، بعد أن آكل من طبخ زوجة أبي، كنتُ أتقيأ دمًا — إلى أن جاء اليوم الذي اتصل فيه الطبيب وقال:
«إن بقيتِ في هذا البيت، ستموتين».
رائحة البيض والخبز المحترق ضربت أنفي ما إن دخلتُ المطبخ. تلك الرائحة الصباحية التي كان من المفترض أن تكون مريحة—تشبه رائحة البيت—لكنها في الآونة الأخيرة لم تعد تفعل سوى أن تعصر معدتي خوفًا. كان أبي جالسًا إلى الطاولة ممسكًا بالصحيفة، وفنجان القهوة يتصاعد منه البخار بجانبه، حاجباه معقودان كعادته. وعلى الجهة المقابلة، كانت ديانا، زوجة أبي الجديدة، تبتسم ابتسامة حلوة أكثر من اللازم وهي تخلط شيئًا كثيفًا أخضر اللون في خلاطٍ طويل.
قالت بنبرة لزجة تؤلم الأسنان:
«صباح الخير يا حبيبتي. وصلتِ في الوقت المناسب للإفطار».
انقلبت معدتي. لم أتناول وجبة كاملة منذ أيام—ليس دون أن أنتهي منحنية، أضمّ أضلعي، ورؤيتي تتشوّش وطعم الحديد يملأ فمي. لكن رفض الطعام منها كان أسوأ من المرض نفسه.
أجبرتُ نفسي على ابتسامة ضعيفة.
«لستُ جائعة».
حرّك أبي صحيفته دون أن يرفع نظره.
«بحقّ الله يا آنا، كُلي. لقد صرتِ درامية جدًا في الآونة الأخيرة».
«قلتُ إنني لستُ—»
لم أكمل الجملة حتى مزّق ألمٌ حادّ بطني، ألم
«يا إلهي، آنا!» قفز أبي واقفًا وضرب فنجان القهوة على الطاولة.
«أنتِ تُحدثين فوضى!»
مسحتُ فمي بظهر يدي، وأنا أرتجف ويدور رأسي.
«أبي… هناك شيءٌ خطأ».
كانت ديانا بجانبي في لحظة، أظافرها المصقولة تلامس كتفي.
«آه يا عزيزتي»، قالت بدلال. «ربما مجرد فيروس. أنتِ تحت ضغط كبير بسبب المدرسة».
كان صوتها ناعمًا كالحرير، لكن عينيها—باردتان، جامدتان، حاسبتان—كانتا تقولان شيئًا آخر تمامًا.
أردتُ أن أصدّقها. أقسم أنني أردتُ أن أصدّق أيّ أحد.
استمرّ هذا لأشهر. غثيان خفيف بعد كل وجبة تطبخها، دوار، ألم في الصدر، ونوبات إغماء بدأت منذ أسابيع. وكلما حاولتُ إخبار أبي، كان يتأفّف، يقول إنني حسّاسة أكثر من اللازم، «هشّة».
كان يقول:
«عليكِ أن تصبحي أقوى. ليس كل شيء يدور حولك».
ربما كان محقًا. ربما كان كل هذا في رأسي.
لكن لماذا كان المرض يختفي كلما أكلتُ طعامًا حضّرته بنفسي؟
ولماذا يعود دائمًا بعد العشاء معها؟
في ذلك الصباح، وبينما كنتُ ألتقط حقيبتي، أوقفتني ديانا عند الباب.
«انتظري يا عزيزتي»، قالت وهي تمدّ لي كوبًا فضيًا للسفر.
«حضّرتُ لكِ سموذي. مفيد لمعدتك».
الخلاط من قبل. ذلك السائل الأخضر الكثيف.
تردّدتُ لحظة.
«شكرًا»، قلت بسرعة، متظاهرةً بأخذه قبل أن أُدخله في حقيبتي.
وأنا أخرج إلى الهواء البارد، سمعتُ همسها لأبي خلفي:
«إنها تصبح جاحدة».
فردّ: «إنها تصبح مشكلة».
رافقتني الكلمات طوال الطريق إلى المدرسة.
«آنا، شكلكِ سيئ جدًا».
كانت تلك أوليفيا، صديقتي المقرّبة منذ الروضة. نظرت إليّ كأنها تحاول ألا تصاب بالهلع.
«لقد فقدتِ وزنًا كبيرًا. بجدّ، ماذا يحدث؟»
أسندتُ ظهري إلى الخزائن، وكان صوتي بالكاد يُسمع.
«أظن أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث لي. كلما أكلتُ في البيت أمرض… مرضًا شديدًا».
عبست أوليفيا.
«لكن ليس عندما تأكلين عندي؟»
هززتُ رأسي.
«أبدًا».
اسودّت عيناها بفهمٍ مفاجئ.
«إذًا المشكلة ليست أنتِ. إنها هي».
«لا»، قلت فورًا. «هذا جنون. هي—هي زوجة أبي».
قالت بحدّة:
«بالضبط. التي انتقلت للعيش معكم قبل ستة أشهر بعد تعارف دام ثلاثة أسابيع؟ التي صارت تطبخ لكِ كل وجباتك؟ التي تهتم فجأة جدًا بـ(صحتك)؟ آنا… إنها تسمّمك».
أردتُ أن أضحك، لكن صدري كان يؤلمني بشدّة.
«ولماذا قد تفعل ذلك؟»
قالت أوليفيا ببرود:
«لأن صندوق الثقة الذي تركته أمك
«إلا إذا متُّ»، أتممتُ بهدوء.
وقفنا صامتتين. رنّ الجرس، ودوّى في الممرّ الفارغ، لكن أياً منا لم تتحرّك. قبضت أوليفيا على يدي.
«نحتاج إلى دليل».
بحلول الظهيرة، كنّا في مستشفى المقاطعة العام، جالستين في غرفة فحص صغيرة معقّمة، بينما كانت خالة أوليفيا—وهي ممرضة—تسحب دمي. لم تطرح أسئلة، فقط نظرت إليّ نظرةً تقول إنها رأت مثل هذا من قبل.
قالت:
«النتائج ستكون جاهزة هذا المساء. ابقي في مكان آمن حتى ذلك الحين».
كلمة آمن استقرّت في صدري كالنصل.
غادرنا المستشفى مع بدء السماء في الإظلام، وكان هواء الشتاء حادًا على بشرتي. أصرّت أوليفيا أن أبقى في بيتهم، لكنني هززت رأسي. لو لم أعد إلى المنزل، سيسأل أبي—والأسئلة تقود إلى شجارات لم أعد أملك القوة لخوضها.
قلت لها وأنا أُجبر صوتي على الثبات:
«سأكون حذرة. لن آكل شيئًا».
لم تبدُ مقتنعة
«راسِليني فور وصول النتائج».
كان البيت هادئًا عندما دخلت. هدوء أكثر من اللازم. أضواء غرفة المعيشة مطفأة، لكن المطبخ كان يضيء بخفوت. وسمعتُ الطنين الخافت للخلاط.
انقبض صدري.
كانت ديانا تقف عند المنضدة، ظهرها نحوي، شعرها
قالت بلطف: