السيدة العجوز وطفل الغابة
كانت الغابة في ذلك الصباح صامتة على نحو غير طبيعي صمت ثقيل يجعل أي نفس يبدو كأنه جريمة والأشجار الطويلة المتشابكة بدت كأنها تراقب كل خطوة تخطوها باربرا ويلسون السيدة العجوز التي تجاوزت السبعين من عمرها بظهرها المنحني وعصاها الخشبية التي تعتمد عليها في تنقلها اليومي. لم تكن تحب الغابة لكنها كانت الطريق الأقصر إلى كوخها الصغير المعزول بعد زيارتها الأسبوعية للطبيب في البلدة المجاورة وقد تعودت منذ سنوات طويلة أن تعبر هذا الممر المهجور رغم خوفها الدائم منه. في ذلك اليوم كان قلبها منقبضا دون سبب واضح إحساس غامض بالقلق يضغط على صدرها وكأن الغابة نفسها تحذرها من شيء لا تراه بعد. كانت تمشي ببطء تحاول التقاط إشارة على هاتفها القديم لتطمئن ابنتها أنها في طريق العودة عندما تعثرت قدمها فجأة بشيء لين. نظرت إلى الأسفل وتوقفت أنفاسها. طفل. صبي صغير لا يتجاوز العاشرة ملقى على الأرض جسده ساكن بشكل مرعب ملابسه ممزقة ووجهه مغطى بالدم والتراب مستندا إلى جذع شجرة سميكة مكسوة بالطحالب.
صرخت باربرا بفزع وهي تسقط على ركبتيها غير مبالية بالألم في مفاصلها ومدت يديها المرتجفتين نحو الطفل. يا إلهي يا إلهي هل أنت حي قلبته بحذر فرأت آثار كدمات داكنة تغطي
ترددت. هل تتركه وتركض لطلب المساعدة هل تحاول حمله رغم ضعفها قلبها كان يخفق بعنف حتى شعرت أنه سيخرج من صدرها. مدت يدها لتتحسس نبضه فشعرت به ضعيفا لكنه موجود. تنفست بارتياح ممزوج بالرعب. من فعل بك هذا يا صغيري همست وهي تمسح الدم عن خده بحذر. في تلك اللحظة تحركت شفاه الطفل وخرج صوت خافت بالكاد يسمع لكنه كان كافيا ليجمد الدم في عروقها. اختبئي إنه لا يزال هنا
اتسعت عينا باربرا وسحبت يدها بسرعة وكأنها لمست بنار. ماذا من همست لكن الطفل لم يجب فورا. تنهد بصعوبة وبصق دما ثم رفع يده المرتعشة وأشار إلى عمق الغابة. هناك لا تتركيه يراك شعرت باربرا برعب لم تشعر به منذ طفولتها. لم يكن هذا مجرد اعتداء عشوائي. كان هناك شخص أو شيء يراقب.
وقبل أن تستوعب كلمات الطفل سمعت صوتا. خطوات. ليست خفيفة. كانت ثقيلة بطيئة متعمدة كأن صاحبها لا يخشى أن
سحبت الطفل بصعوبة خلف جذع الشجرة وضمت جسده إليها رغم الألم الذي صرخ في ظهرها وذراعيها. أغلقت فمها بيدها حتى لا تصرخ عندما اقترب الصوت أكثر. من بين الأشجار ظهر رجل ضخم طويل على نحو غير طبيعي يرتدي معطفا داكنا ممزقا ووجهه مخفي جزئيا بقبعة منخفضة. خلفه تحرك ظل آخر ثم ثالث. كانوا يبحثون. عيونهم تجوب المكان ببطء كما لو كانوا واثقين أن فريستهم لا يمكن أن تكون بعيدة.
حبست باربرا أنفاسها وقلبها يدق كطبول الحرب. الطفل بين ذراعيها ارتجف وغمغم بشيء غير مفهوم. وضعت يدها على رأسه محاولة تهدئته. أحد الرجال توقف فجأة وأدار رأسه نحو مكان اختبائهم. شعرت باربرا أن نهايتها قد حانت. لكنها تذكرت شيئا. تذكرت أن هذه الغابة ليست غريبة عنها. عاشت بالقرب منها ثلاثين عاما. تعرف مساراتها حفرها أسرارها. تذكرت الكهف الصغير خلف الشجرة الذي كانت تختبئ فيه أيام طفولتها. جمعت كل ما تبقى لديها من قوة وسحبت الطفل ببطء شديد
في اللحظة التي خطا فيها أحد الرجال خطوة إضافية انكسر غصن تحت قدمه والتفت فجأة. لكن كان الأوان قد فات. اختفت باربرا والطفل داخل الظلام. ظلت تحبس أنفاسها وهي تسمع أصوات البحث الغاضبة الصراخ واللعنات. دقائق بدت كأنها ساعات. ثم أخيرا تلاشت الأصوات وعم الصمت مرة أخرى.
لم تنتظر. بعد أن تأكدت أنهم ابتعدوا حملت الطفل على ظهرها بصعوبة لا توصف وسلكت مسارا جانبيا لا يعرفه إلا القليل حتى خرجت من الغابة إلى الطريق الترابي القريب من البلدة. هناك سقطت على الأرض وهي تصرخ طلبا للمساعدة.
بعد ساعات في المستشفى عرفت الحقيقة. الطفل كان شاهدا على جريمة مروعة وعندما رآهم حاولوا التخلص منه. باربرا العجوز الضعيفة كانت الشاهدة الوحيدة التي أنقذت حياته والشخص الذي قاد الشرطة لاحقا إلى أوكارهم.
وبينما كانت تجلس بجانب سريره تمسك بيده الصغيرة فتح الطفل عينيه ونظر إليها بابتسامة باهتة. قلت لك تختبئي لكنك لم تتركيني. ابتسمت باربرا والدموع تنهمر من عينيها وقالت بصوت مبحوح أحيانا يا بني الشجاعة لا تكون في الهرب بل في البقاء.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد الغابة مجرد مكان مظلم مخيف بالنسبة لها بل المكان الذي أثبت لها أن حتى أضعف