بعد سنة من اللي حصل في الفرح، الناس كانت لسه بتتكلم عن الليلة دي كأنها فيلم اتعرض مرة واحدة وغير تاريخ عيلة كاملة، بس الحقيقة إن الحكاية ما خلصتش عند القاعة ولا عند الفلاشات، الحكاية بدأت بجد بعدها، لأن النجاح الحقيقي مش في لحظة رجوع قوية، النجاح في اللي بتعمله بعد ما الدنيا كلها تبص لك وتستنى تقع، وأنا عمري ما كنت ناوية أقع، شركتي بعد الاكتتاب بقت رقم صعب في السوق، مش مجرد تطبيق ولا منصة، بقت منظومة كاملة بتتحكم في استثمارات وشراكات على مستوى العالم، شركات عملاقة حاولت تشترينا، أرقام أكبر من الشيك اللي اترمى قدامي زمان بعشرات المرات، بس كنت كل مرة أفتكر صوت والتر وهو بيقولي “المبلغ ده أكتر من كفاية لواحدة زيك” وأبتسم وأرفض، لأن قيمتي ما بقتش رقم يتحط في خانة ويتخصم منه نسبة، بقت فكرة، بقت تأثير، بقت اسم بيتقال في مؤتمرات الاقتصاد العالمية، وفي نفس الوقت كنت برجع البيت كل يوم أم قبل ما أكون أي حاجة تانية، أذاكر لولادي، أسمع مشاكلهم الصغيرة اللي بالنسبة لي كانت أهم من أي صفقة بمليارات، الأربع نسخ الصغيرة من كولتون كانوا بيكبروا بسرعة، وملامحهم كانت بتشد الانتباه في أي مكان، الإعلام حاول
يقرب منهم أكتر من مرة، حاولوا يعرفوا قصتهم، بس كنت حاطة حدود واضحة، حياتهم مش مادة صحفية، هما بشر، مش عنوان جذاب، كولتون دخل حياتهم بالتدريج، في الأول كان تايه، بيحاول يعوض خمس سنين غياب في كام زيارة، وكان واضح إنه شايل ندم تقيل، وأنا ما كنتش بشمت، بس ما كنتش بنسى، خليته يفهم إن الأبوة مسؤولية مش صورة قدام الكاميرات، وإن لو عايز يكون موجود يبقى بجد، مش عشان ضميره يرتاح، والغريب إنه مع الوقت اتغير، يمكن لأول مرة في حياته يختار حاجة بعيد عن ظل أبوه، أما والتر فكان صمته هو العقاب الحقيقي، إمبراطوريته ابتدت تتآكل بهدوء، مش بسبب انتقام مني، لكن لأن الزمن بيتغير، وهو فضل متمسك بفكرة إن النفوذ بيتوارث مش بيتستحق، وفي مؤتمر اقتصادي ضخم في نيويورك، لقينا نفسنا على نفس المسرح، أنا وهو، الجمهور مستني مناظرة، مش كلام دبلوماسي، سألونا عن القيادة وعن المستقبل، هو اتكلم عن التاريخ والتقاليد، وأنا اتكلمت عن الجرأة وكسر الحواجز، ولما جه سؤال عن أكبر خطأ في حياتنا، سكت لحظة وبصلي، وقال قدام الكل إن أكبر خطأ عمله إنه حكم على إنسانة من خلفيتها مش من قدراتها، القاعة سكتت، وأنا حسيت إن دا اعتذار متأخر بس صادق،
ما كانش محتاج يتقال لي لوحدي، كان محتاج يتقال قدام العالم اللي كان شايفه دايماً رجل لا يخطئ، بعد المؤتمر طلب يقعد مع ولادي، المرة دي مش كرجل أعمال، لكن كجد، شاف فيهم ملامح ابنه، وشاف في عيونهم القوة اللي حاول يطفيها فيا زمان، الزمن بيلف دايماً، بس مش بيرجعنا لنفس النقطة، بيرجعنا لنقطة أعلى لو اتعلمنا، ومع كل ده، النجاح جاب تحديات أكبر، منافسين حاولوا يشوهوا سمعتي، شائعات طلعت عني وعن طلاقي وعن ثروتي، بس كنت كل مرة أختار المواجهة مش الهروب، أطلع أتكلم، أوضح، وأكمل، لأني اتعلمت إن الصمت قوة لما يكون اختيار، مش لما يكون خوف، وفي يوم وأنا قاعدة في مكتبي الجديد اللي بيبص على مدينة تانية غير اللي خرجت منها زمان، دخل عليّ ابني الأكبر وسألني سؤال بسيط “ماما، لو رجع بيكي الزمن، تمضي تاني؟” بصيت له وافتكرت الشيك، الوجع، الوحدة، الليالي اللي كنت بنام فيها ساعتين، الخوف من الفشل، لحظة دخولي الفرح، وقفت دقيقة وفكرت، وبعدين قلت له آه، همضي تاني، لأن لو ما كنتش مضيت، ما كنتش هبقى الست اللي قدامك دلوقتي، ولا كنتوا إنتوا هتبقوا القوة اللي في حياتي، هو ابتسم وقال إنه فخور بيا، والكلمة دي كانت أغلى من
أي تقييم سوقي، وأغلى من أي جائزة، بعد سنين قليلة ولادي ابتدو يشاركوا في مبادرات للشباب وريادة الأعمال، كانوا واقفين على مسارح صغيرة يحكوا قصة أمهم من غير ما يذكروا أسماء، بس يذكروا الدرس، إن التقليل منك ممكن يكون هدية لو عرفت تستخدمه صح، أما أنا فقررت أعمل صندوق استثماري بيدعم البنات اللي بيبدأوا من الصفر، يمكن واحدة منهم تقعد قدام مكتب فخم في يوم من الأيام، ويتقال لها إنها ما تنفعش، وتفتكر قصتي، وتبتسم، وتمضي، مش عشان تمشي، لكن عشان تبدأ، وفي الذكرى العاشرة لليلة الفرح، اتنشر تقرير بيصنف شركتي كواحدة من أقوى الشركات تأثيراً في الاقتصاد العالمي، واتكتبت قصتي في كتب إدارة الأعمال كنموذج للقيادة تحت الضغط، لكن كل ده ما كانش أهم حاجة، أهم حاجة كانت إني لما أبص في المراية أشوف ست اختارت نفسها من غير ما تدمر غيرها، نجحت من غير ما تسرق، سامحت من غير ما تنسى، واثبتت إن القيمة الحقيقية مش في الشيك اللي اترمى قدامك، لكن في اللي تقدر تعمله بيه، وأنا ما كنتش مجرد رد فعل على إهانة، أنا كنت فعل جديد بالكامل، وما زالت الحكاية بتكمل، لأن القوة الحقيقية مش في الرجوع، القوة في الاستمرار، وأنا مستمرة.