اتصلت بي مدرسة ابني وأنا في الشغل وقالوا لي تعالي فورًا ولما وصلت لقيت عربيات إسعاف مالية الموقف ومديرة المدرسة سألتني مين اللي حضّر له الأكل وفتحت علبة الغدا قدامي وإيديا بدأت تترعش أول ما شفت اللي جواها، كان يوم عادي ممل زي أي يوم شغل تقيل قدام شاشة الكمبيوتر في مكتبي في وسط سانت لويس، أرقام وميزانيات وقهوة ساقعة نسيتها من بدري، ولما التليفون رن بنغمة حادة حسيت بقلبي بينقبض قبل ما أرفع السماعة، جانيس موظفة الاستقبال صوتها كان غريب ومش طبيعي وهي بتقول ميجان دي مدرسة ابنك لازم تيجي حالًا، مسكت السماعة بإيد بتترعش وحاولت أبقى هادية، المديرة الدكتورة كلاين عرفت نفسها وقالت في حالة طارئة تخص مايلز بس هو بأمان ولازم أكون هناك فورًا، كلمة بأمان دي فضلت تتردد في وداني وأنا سايقة ومش شايفة قدامي غير سيناريوهات سودا، وصلت لقيت عربيتين إسعاف وعربية شرطة وأهالي واقفين قلقانين، ظابط خلاني أركن قدام الباب مباشرة وكأن اسمي بقى مرتبط بحاجة كبيرة، المديرة كانت شاحبة وقالتلي قبل ما ندخل قوليلي مين حضّر له الغدا النهارده، استغربت السؤال وسط كل ده وقلت حماتي إلين هي اللي كانت معاه الصبح، بصتلي
بنظرة فهمت منها إن الموضوع أخطر مما توقعت وخدتني على أوضة اجتماعات مقفولة، جوا كان في الممرضة المدرسية وضابط وإزازة مياه على الترابيزة وعلبة غدا مايلز قدامهم، قلبي كان بيدق في وداني، سألتهم ابني فين قالولي في العيادة تحت الملاحظة لأنه اشتكى من دوخة وغثيان بعد الفسحة، المديرة فتحت علبة الغدا ببطء وكأنها بتفتح دليل إدانة، كان فيها ساندويتش زبدة فول سوداني ومربى وتفاحة وكيس عصير وعلبة صغيرة بلاستيك فيها قطع شوكولاتة، الحاجة شكلها عادي جدًا لدرجة خلتني أحس إني مجنونة، وبعدين الضابط لبس جوانتي وطلع من تحت الساندويتش كيس بلاستيك شفاف صغير ملفوف في منديل، جوا الكيس حبوب بيضا صغيرة مش شبه أي حاجة طبيعية تتحط في علبة طفل، الدنيا لفت بيا وكرسي ورايا اتحرك لما رجعت بخطوة، قالولي إن المدرس لاحظ إن مايلز كان بيتباهى قدام ولاد تانيين بحاجة “خاصة” في غداه وإنه قال إن جدته قالتله ياخدها بس لو حد ضايقه، أول ما جملة لو حد ضايقه دي اتقالت حسيت إن الأرض بتنهار تحتي، الضابط قال إن الحبوب مبدئيًا شكلها دواء مهدئ للكبار وإنهم هيحللوها لكن في طالبين تانيين أخدوا واحدة على سبيل اللعب وبدأوا يحسوا بدوخة
وده سبب الإسعاف، فضلت أقول مستحيل حماتي تعمل كده مستحيل، هي ست تقليدية يمكن متسلطة شوية لكنها بتحب حفيدها، المديرة سألتني إذا كان في مشاكل أو حد بيضايق مايلز، ساعتها افتكرت إنه بقاله أسبوعين بيقول إنه مش عايز يروح المدرسة وإن في ولد أكبر منه اسمه براين بيستقصد يسخر منه عشان هو هادي وبيحب الرسم، أنا كنت فاكرة إنها مناوشات أطفال عادية، الضابط طلب رقم حماتي واتصلوا بيها، وصلت بعد نص ساعة شكلها متوتر أكتر من اللازم، أول ما شافت العلبة والحبوب وشها اتغير لكنها حاولت تتماسك وقالت إن ده مجرد فيتامين أعشاب طبيعي بيساعد على التركيز وإنها حطته عشان مايلز يبقى أقوى ومحدش يقدر عليه، الضابط سألها ليه ملفوف في كيس ومخبّي تحت الساندويتش وليه قالتله ياخده لو حد ضايقه، بدأت تتلخبط في الكلام وقالت إنها كانت تقصد يقوى أعصابه مش أكتر، التحليل السريع اللي عملوه في المستشفى أكد إن الحبوب فيها مادة مهدئة قوية ومش مخصصة للأطفال نهائي، لحظتها حسيت بمزيج غضب ورعب، إزاي تحط حاجة زي دي في غدا طفل وتفهمه إنها وسيلة دفاع، عرفت إن حماتي كانت شايفة إن المدرسة مش بتحميه وإن لازم “يعرف ياخد حقه” بطريقتها الغلط،
التحقيق اتفتح رسميًا وتم تحويل الحبوب للمعمل، الأطفال اللي أخدوا منها خرجوا من المستشفى في نفس اليوم بحالة مستقرة الحمد لله، دخلت لمايلز العيادة وكان قاعد على السرير الأبيض عينيه مليانة خوف أكتر من التعب، أول ما شافني حضني وقاللي أنا بس كنت عايزهم يبطلوا يضحكوا عليا يا ماما، حسيت بقلبي بيتقطع وقلتله إن محدش محتاج ياخد حاجة عشان يبقى قوي وإن قوته مش في حبة مخبّية في علبة غدا، المدرسة قررت تفتح تحقيق في موضوع التنمر وفعلاً اتضح إن في مجموعة أولاد كانوا بيستقصدوه من غير ما الإدارة تاخد بالها، براين اتستدعى مع أهله وتم اتخاذ إجراءات تأديبية وبرنامج توعية، أما حماتي فالموضوع وصل لتحذير قانوني رسمي ومنع مؤقت إنها تستلم مايلز من المدرسة لحد ما يتم تقييم الموقف، البيت بقى ساحة مواجهات صعبة بينها وبيني، قالت إنها كانت بتحميه بطريقتها وإن العالم قاسي، قلتلها إن القسوة مش بتتعالج بمخدرات، زوجي كان في نص النارين لكنه وقف معايا لما شاف تقرير التحليل، الأيام اللي بعد الحادثة كانت طويلة ومليانة اجتماعات مع المدرسة وأخصائية نفسية لمايلز، اكتشفنا إنه كان كاتم خوفه عشان ميقلقناش،