بدأنا جلسات دعم ليه ولأطفال الفصل عن معنى القوة الحقيقية، وبعد أسابيع رجع يضحك تاني ويرسم ديناصوراته ويغني وهو لابس الهودي بتاعه، كل ما أفتكر لحظة فتح علبة الغدا وإيدي بتترعش بحمد ربنا إن الموضوع اتكشف قبل ما يحصل الأسوأ، تعلمت إن التفاصيل الصغيرة زي سؤال مين حضّر الغدا ممكن تكون مفتاح لحكاية أكبر بكتير، وإن حماية أولادنا مش بس إننا نثق في اللي حوالينا لكن كمان إننا نسمع همسات خوفهم قبل ما تتحول لصفارات إسعاف في موقف مدرسة.
بعد الحادثة اللي حصلت في المدرسة، حياتنا اتغيرت تمامًا، وكل يوم كان بيحمل دروس جديدة وصعوبات كنا مش متوقعينها، مايلز بدأ يجي البيت مختلف، مش بس عشان الخوف اللي لسه ساكن جواه، لكن كمان عشان بدأ يحس إنه لازم يكون قوي ومتمكن بدون أي وسيلة غريبة، كان بيسأل أسئلة غريبة عن الناس اللي حواليه وعن ليه بعض الناس بتستغل الأطفال الصغار، وأنا وقفت معاه وحاولت أشرحله إن القوة الحقيقية مش في المخدرات ولا في أي حبة سحرية، القوة الحقيقية في الشجاعة والقدرة على التعبير عن خوفك
ومشاعرك بدون ما تأذي حد، بدأت أقضي وقت أطول معاه في المدرسة بعد الدوام، كنت أحضر لقاءات مع المعلمين وأخصائيين نفسيين، اكتشفنا إنه كان في فصول كاملة مليانة ضغط نفسي وأحيانًا مضايقات ماكانش حد واخد باله منها، بدأنا نعمل خطط يومية ليه تشمل نشاطات اجتماعية، لعب جماعي، ورسم وتلوين، وكنت بحرص إنه يكون له أصدقاء يعرفوا قيم الصداقة الحقيقة ومايسمحوش لأي حد يضايقه، حماتي بعدها حاولت تتواصل معايا، وحاولت تبرر تصرفها، لكن بعد جلسات عديدة ومع مستشار قانوني، وضحنا لها إن أي تصرف يشمل مخدرات أو أدوية للأطفال تحت أي ظرف غير مقبول، وعليها احترام قوانين المدرسة والسلامة النفسية لأحفادها، العلاقة بينها وبين مايلز اتغيرت بالكامل، اتعلمت إنها لازم تسيب القرارات للمدرسة ولنا كوالدين، وماعدش لها حق إنها تحاول "تقويته" بطرقها الخاصة، في البيت، أنشأنا روتين جديد، كل صباح كنا بنراجع معاه اليوم المتوقع، بنشرح له اللي هيحصل في المدرسة وأي نشاطات، وبنسمع له مخاوفه، وبدأت ألاحظ فرق كبير في ثقته بنفسه، حتى في
الفصل المدرسي بدأ يشارك في الحصص ويعبر عن رأيه، ومع الوقت، طورت المدرسة برنامج توعية ضد التنمر، ضم كل الطلاب وأولياء الأمور، وعملوا ورش عمل عن أهمية الاحترام والتفاهم، ومايلز كان جزء من الفريق الاستشاري للأطفال، يعبر عن تجاربه ويعلم غيره إزاي يواجه المشاكل بطريقة صحيحة، في العطلات الصيفية قررت أعمل معاه ورش للرسم والمسرح، لأنه اكتشف إنه يقدر يعبر عن خوفه ومشاعره من خلال الفن، وده ساعده جدًا إنه يخفف التوتر ويبني علاقات صحية مع الأطفال التانيين، الزوج كان سند ليا طول الوقت، وكل ما كنت حاسة بالإحباط أو الغضب من اللي حصل، كان يطمني ويشجعني على التركيز على مايلز وأهميته في حياتنا، وبعد سنة كاملة من الحادثة، مايلز بدأ يتكلم بثقة أكبر عن نفسه، ماعادش يخاف من التعبير عن مشاعره، وبدأ عنده أصدقاء مخلصين وبدأ يشارك في أنشطة مدرسية إضافية زي الرياضة والفنون، أنا كمان قررت أشارك في مجلس أولياء الأمور وأساهم في تطوير سياسات حماية الأطفال، كل يوم كنت بحس إنه بفضل تجربتنا، احنا كعيلة اتعلمنا كتير
عن الثقة، الشجاعة، وأهمية التواصل المفتوح بين الأهل والمدرسة والأطفال، الحادثة علمتنا إن أصغر التفاصيل ممكن تكون بوابة لمشاكل كبيرة لو اتسابت من غير متابعة، وإنه مش بس ضروري نسمع لأولادنا لما يكونوا خايفين، لكن كمان نتابع أي تغييرات في سلوكهم أو أي مؤشرات غير عادية، بعد سنتين، مايلز بقى طفل واثق ومحب للحياة، بيحب المدرسة والأصدقاء، حتى أسلوبه مع حماتي اتحسن، بيحترمها لكنه مش بيسمح لها تعدي على حدود الأمان والسلامة، البيت بقى مليان ضحك وحب وفن، وكل يوم كنا بنحتفل بالإنجازات الصغيرة زي أول مرة يرسم لوحة كبيرة، أول مرة يشارك في مسابقة، وكل مرة بيقف قدام الصف ويشارك، وأنا بحس بالفخر والارتياح إنه اتجاوز التجربة الصعبة دي وتحول لشخص أقوى وأكثر وعيًا، تجربة غريبة ومؤلمة زي اللي حصل في علبة الغداء علمتنا جميعًا قيم وأسس مهمة عن حماية أطفالنا، التواصل المفتوح، والشجاعة في مواجهة أي تهديد، مهما كان شكله أو مصدره، وإنه في النهاية، الحب والرعاية الصحيحة هما أقوى أدوات القوة الحقيقية لأي طفل.