الفتاة والبلطجية

لمحة نيوز

ثلاثة بلطجية هاجموا فتاة أعزل، حاولوا سرقتها، وكانوا مقتنعين أنها مجرد ضحية خائفة وضعيفة، لكنهم لم يتخيلوا أبدًا ما الذي سيحدث بعد دقيقة واحدة، ففي ذلك الصباح الهادئ الدافئ داخل الحديقة كانت فيرونيكا قد أنهت جولتها الطويلة في الجري وتوقفت في ممر جانبي ضيق تحاول أن تلتقط أنفاسها بعد تمرين قاسٍ لكنه ممتع، كان العرق يلمع على جبينها وشعرها مربوط في ذيل حصان مرتفع وسلسلة ذهبية رفيعة تتدلّى حول عنقها وساعة رياضية أنيقة تلمع في معصمها، كانت تحب تلك اللحظات النادرة من العزلة حين يهدأ العالم من حولها ولا يبقى سوى صوت أنفاسها المنتظمة ورائحة المطر العالق في الهواء بعد ليلة ممطرة، كان المكان شبه خالٍ والهواء رطبًا تفوح منه رائحة الأوراق المبللة، وكانت على وشك أن تتجه نحو المخرج عندما شقّ السكون هدير محركات دراجات نارية اندفعت فجأة من خلفها، التفتت لتجد ثلاث دراجات تقترب بسرعة ثم تتوقف أمامها مباشرة، قفز ثلاثة رجال مفتولي العضلات يرتدون بدلات رياضية رخيصة وقد غطت الوشوم أذرعهم وأعناقهم، كانت نظراتهم وقحة وابتساماتهم ساخرة، تقدم أحدهم وهو يبدو القائد ونظر إليها من أعلى رأسها حتى حذائها

الرياضي وقال بصوت مليء بالاستهزاء إن كانت تتمشى وحدها وسألها عن هاتفها الذي بدا غاليًا وطالبها أن تسلمه حتى لا ينكسر، ظلّت صامتة تحاول أن تبقي وجهها جامدًا رغم أن قلبها كان ينبض بقوة، دار الثاني حولها يعلّق على ساعتها وسلسلتها وحذائها، أما الثالث فاقترب أكثر وضحك ضحكة منخفضة وهو يقول إنها لا يجب أن تخاف لأنهم سيكونون لطفاء إن تعاونت، أحاطوا بها من كل الجهات وقطعوا طريق الهروب، أخبرها القائد أنه لا يوجد أحد ليساعدها وأن من الأفضل أن تسلم كل شيء بهدوء، رفعت عينيها إليه وسألته بهدوء ثابت ماذا سيحدث إن لم تفعل، تبادلوا النظرات وضحك أحدهم قائلاً إن الأمر سيكون غير لطيف لأنهم لا يحبون من يعاندهم، ثم مدّ أحدهم يده نحو كتفها وكأنه يختبر رد فعلها، في تلك اللحظة تغيّر كل شيء، فقد تحركت فيرونيكا بسرعة خاطفة لم يتوقعها أي منهم، انحرفت بجسدها لتفادي اليد الممدودة وأمسكت بمعصم الرجل بحركة دقيقة ثم لفّته بقوة حتى صرخ من الألم وسقط على ركبتيه، قبل أن يستوعب الآخران ما حدث كانت قد وجّهت ضربة بكوعها إلى صدر الثاني أسقطته للخلف ثم التفتت نحو القائد الذي حاول الإمساك بها لكنها باغتته بركلة قوية
إلى ساقه أفقدته توازنه، لم تكن حركاتها عشوائية بل مدروسة وسريعة كأنها تتدرب عليها منذ سنوات، والحقيقة أنها بالفعل كانت كذلك، فقد قضت سنوات في تدريب الفنون القتالية والدفاع عن النفس منذ حادثة قديمة كادت تغيّر حياتها، كانت قد أقسمت يومها ألا تكون ضحية مرة أخرى، حاول أحدهم أن ينهض ويلتقطها من الخلف لكنها انخفضت بجسدها وانفلتت ثم وجهت ضربة دقيقة إلى كتفه أفقدته القدرة على تحريك ذراعه، تعالت صرخاتهم وسط دهشتهم وغضبهم، لم يعودوا يضحكون أو يتفاخرون بل صاروا يحاولون فقط استيعاب ما يجري، القائد الذي استعاد توازنه أخرج سكينًا صغيرة من جيبه ولوّح بها مهددًا، للحظة بدا أن الأمور قد تتصاعد، لكن فيرونيكا لم تتراجع بل ابتعدت خطوة محسوبة ورفعت صوتها تطلب النجدة وفي الوقت نفسه ضغطت زرًا صغيرًا في ساعتها الرياضية، كان ذلك الزر موصولًا بتطبيق طوارئ يرسل موقعها فورًا إلى رقم خاص، لم تمض ثوانٍ حتى سُمعت صفارة حادة تقترب من طرف الحديقة، فقد كان شقيقها الأكبر يراقب مسارها من باب الاطمئنان كما اعتاد منذ فترة، وكان يعمل ضمن وحدة أمن خاصة قريبة من المكان، حين رأى الإشارة تحرك فورًا مع دورية كانت بالقرب
من المدخل، ومع اقتراب أصوات السيارات حاول الرجال الهرب مرتبكين، اثنان منهم ركضا نحو دراجتيهما بينما الثالث كان ما يزال يتألم على الأرض، لكن وصول سيارة الأمن السريع قطع عليهم الطريق، توقفت السيارة بقوة ونزل منها رجلان بزي رسمي تبعهما شقيق فيرونيكا الذي اندفع نحوها أولًا ليتأكد أنها بخير قبل أن يوجّه نظرة حادة إلى المعتدين، خلال دقائق كانت الأصفاد قد أُحكمت حول أيديهم بعدما وُجدت بحوزتهم أشياء مسروقة من حوادث سابقة، تجمّع بعض المارة الذين سمعوا الضجيج وبدأوا يتهامسون بدهشة عن الفتاة التي واجهت ثلاثة رجال وحدها ولم تنهار، أما فيرونيكا فكانت تقف بهدوء تحاول تنظيم أنفاسها من جديد، لم ترتجف كما توقعوا ولم تنكسر بل كانت نظراتها ثابتة قوية، حين اقتادهم رجال الأمن نحو السيارة لم يعد في وجوههم أثر للغرور الذي دخلوا به الممر، كانت الصدمة واضحة عليهم لأنهم أدركوا متأخرين أنهم لم يواجهوا ضحية بل امرأة مستعدة تعرف كيف تحمي نفسها، بعد أن غادرت سيارات الأمن المكان عاد الهدوء تدريجيًا إلى الحديقة، تنفست فيرونيكا بعمق وشكرت شقيقها الذي ابتسم لها بفخر وقال إنه كان يعرف أنها قادرة على

تم نسخ الرابط