الفتاة والبلطجية

لمحة نيوز

 الدفاع عن نفسها لكنه لن يتأخر أبدًا إن احتاجته، ابتسمت أخيرًا وشعرت بقوة داخلية أكبر من أي خوف، لم تكن بطلة خارقة ولم تبحث عن مواجهة، لكنها كانت تعرف أن الشجاعة ليست في غياب الخوف بل في القدرة على الوقوف رغم وجوده، وفي ذلك الصباح تعلّم أولئك الرجال درسًا قاسيًا لن ينسوه أبدًا، أن المظهر قد يخدع وأن من يظنه الناس ضعيفًا قد يحمل في داخله قوة لا يمكن تخيلها، وأن دقيقة واحدة قد تغيّر ميزان القوة بالكامل، عادت فيرونيكا تسير نحو المخرج بخطوات ثابتة والشمس ترتفع قليلًا في السماء وكأنها تبارك انتصارها الصامت، وفي قلبها يقين راسخ بأنها مهما واجهت في الحياة فلن تسمح لأحد أن يحدد قيمتها أو يسرق إحساسها بالأمان مرة أخرى.

بعد أن عادت فيرونيكا إلى منزلها في ذلك اليوم لم تستطع أن تتعامل مع ما حدث كحادثة عابرة وتنساها بسهولة، فرغم أنها خرجت سالمة جسديًا فإن شيئًا بداخلها كان يهتز كلما تذكرت نظراتهم الواثقة في البداية وضحكاتهم الساخرة وهم يعتقدون أنها فريسة سهلة، جلست طويلًا قرب النافذة تتأمل الشارع الهادئ أسفلها وتفكر في الفارق الهائل بين دقيقة ضعف متخيَّلة ودقيقة قوة حقيقية، كانت تدرك أن ما أنقذها لم يكن فقط تدريبها الجسدي بل

قرار قديم اتخذته منذ سنوات حين أقسمت ألا تعيش خائفة، وفي المساء اتصل بها شقيقها ليطمئن عليها مجددًا وأخبرها أن الشرطة اكتشفت أن أولئك الثلاثة متورطون في عدة حوادث سلب واعتداء في أحياء مختلفة وأن القبض عليهم ربما أنقذ فتيات أخريات من المرور بالتجربة نفسها، عندها شعرت فيرونيكا بثقل المسؤولية يتسلل إلى قلبها، لم تعد ترى ما حدث مجرد دفاع عن النفس بل بداية لشيء أكبر، وفي الأيام التالية بدأت تستيقظ أبكر من المعتاد لا لتتدرب وحدها فقط بل لتفكر في فكرة جديدة ظلت تتشكل داخل عقلها، كانت تتخيل مساحة آمنة في نفس الحديقة أو في مركز قريب حيث يمكن للفتيات والنساء أن يتعلمن أساسيات الدفاع عن النفس وأن يفهمن كيف يحمين أنفسهن وكيف يثقن في قوتهن، لم يكن هدفها نشر العنف بل نشر الوعي، كانت تؤمن أن الثقة قد تكون أحيانًا أقوى من أي ضربة، وبعد أسبوع واحد فقط تحدثت مع إدارة أحد المراكز المجتمعية القريبة وعرضت عليهم أن تقدم ورشًا تطوعية لتعليم تقنيات بسيطة وعملية، في البداية قوبلت الفكرة ببعض التردد لكن حين انتشرت قصة ما حدث معها عبر وسائل التواصل وبدأ الناس يتحدثون عنها باعتبارها مثالًا للشجاعة تغير الموقف، بدأت الرسائل تصلها من فتيات لم تقابلهن
من قبل يحكين عن مواقف خوف مررن بها في الشارع أو في المواصلات أو حتى في أماكن العمل، وكانت كل رسالة تؤكد لها أن قرارها صحيح، وفي أول يوم للورشة حضر عدد صغير لا يتجاوز عشر فتيات تتراوح أعمارهن بين السادسة عشرة والثلاثين، وقفت أمامهن تشعر بقليل من التوتر لكنها ابتسمت وقالت إن القوة لا تعني أن نبحث عن مواجهة بل أن نعرف أننا لسنا عاجزات، بدأت تشرح لهن كيف يراقبن محيطهن وكيف يضعن حدودًا واضحة وكيف يتحركن بسرعة وثبات عند الحاجة، لم تكن الحصة مجرد تدريب جسدي بل كانت مساحة ليتحدثن عن مخاوفهن بصراحة، ومع مرور الأسابيع كبر العدد وأصبح المكان يمتلئ بأصوات الحماس والضحكات بدلًا من همسات القلق، بعض المشاركات بدأن يشعرن بتغير حقيقي في حياتهن اليومية، واحدة أخبرتها أنها صارت تمشي في طريقها إلى الجامعة برأس مرفوع لا تحدق في الأرض كما كانت تفعل، وأخرى قالت إنها تعلمت أن تقول لا بصوت واضح دون اعتذار، أما فيرونيكا فكانت تتغير هي الأخرى، فبدلًا من أن يظل ذلك الصباح ذكرى مزعجة أصبح نقطة تحول، ذات مساء بينما كانت تغلق أبواب المركز بعد انتهاء التدريب اقتربت منها امرأة في الأربعينيات وقالت لها إن ابنتها الصغيرة صارت تحلم بأن تصبح قوية مثلها لا
لتؤذي أحدًا بل لتحمي نفسها، ابتسمت فيرونيكا وشعرت بدفء داخلي عميق، أدركت حينها أن ما حدث لم يكن مجرد مواجهة عابرة مع ثلاثة رجال بل لحظة كشفت لها رسالتها الحقيقية، لم تكن تبحث عن الشهرة أو الإعجاب بل عن تغيير صامت يبدأ بخطوة صغيرة ويتسع شيئًا فشيئًا، وبعد أشهر أصبحت ورشها جزءًا ثابتًا من نشاط المركز بل ودُعيت للتحدث في مدارس وجامعات عن أهمية الثقة بالنفس والوعي بالمحيط، وكلما وقفت أمام جمهور جديد كانت تتذكر تلك الدقيقة التي ظن فيها ثلاثة أشخاص أنهم يسيطرون على الموقف بينما الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا، كانت تعرف أن العالم لن يصبح فجأة مكانًا مثاليًا، وأن المخاطر ستظل موجودة، لكن وجود نساء يعرفن قيمتهن ويثقن بقدرتهن على المواجهة كان فرقًا حقيقيًا، وفي كل مرة تعود فيها إلى نفس الممر في الحديقة لم تعد تشعر بظل الخوف يلاحقها بل بخطوات ثابتة وصوت داخلي يهمس لها بأنها حولت لحظة تهديد إلى بداية قوة، وهكذا لم تنته القصة عند سقوط أولئك الرجال أرضًا أو عند صوت الأصفاد وهي تُغلق حول معاصمهم، بل استمرت لتصبح حكاية عن شجاعة معدية تنتقل من قلب إلى آخر وتذكر كل من يسمعها بأن الضعف ليس صفة ثابتة بل فكرة يمكن كسرها في لحظة واحدة حاسمة.

تم نسخ الرابط