قالت الشرطة لوالدَيّ إن أختي التوأم إيلا قد رحلت ولن تعود أبدًا لكنني بعد ثمانية وستين عامًا وجدت نفسي أقف أمام امرأة تحمل وجهي نفسه ونبرة صوتي نفسها وكأن الزمن دار دورة كاملة ليعيد إليّ ما سُلب مني كنت في الخامسة فقط عندما اختفت إيلا في ذلك اليوم كنت مريضة بحمى شديدة فبقيت في سريري في بيت جدتي بينما خرجت هي لتلعب بكرتها الحمراء في الحديقة خلف المنزل أتذكر أن جدتي كانت تمسح على جبيني وتهمس لي أن أرتاح وأن أختي ستعود حالما تنتهي من اللعب لكن حين خرجت لتناديها لم يجبها أحد لم يكن هناك سوى صمت ثقيل وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة المنزل كان يجاور غابة صغيرة وهناك وجدوا الكرة الحمراء ملقاة على العشب الرطب دون أي أثر آخر بحثت الشرطة طويلًا وانتشر الجيران في كل مكان يحملون مصابيح ويتهامسون بكلمات لم أفهمها يومها لكنني كنت أشعر بالخوف يتسلل إلى صدري مثل برد الشتاء ثم جاء اليوم الذي دخل فيه والداي غرفتي ووجهاهما
شاحبان وأخبراني أن إيلا لن تعود وأنهم وجدوا جثتها لم أفهم معنى الموت بالكامل لكنني فهمت أن نصفي الآخر اختفى إلى الأبد ومنذ ذلك الحين أصبح البيت أوسع مما ينبغي وأهدأ مما يحتمل كنت أبحث عنها في كل زاوية في ضحكتي في صورنا القديمة في المرآة كنت أظن أحيانًا أنني أراها خلفي ثم ألتفت فلا أجد أحدًا سألت أمي مرارًا أين وجدوها وماذا حدث لكنها كانت تسكتني وتقول إن بعض الأسئلة تؤلم أكثر مما تشفي وإن عليّ أن أترك الماضي ينام ومع السنوات تعلمت أن أكبت فضولي لكنني لم أنسَ أبدًا لم أتذكر جنازة واضحة ولا قبرًا نزوره فقط غيابًا طويلًا يمتد بلا نهاية كبرت وتزوجت وأنجبت أطفالًا ثم أحفادًا وصنعت حياة كاملة تبدو سعيدة ومستقرة لكن في أعمق نقطة داخلي ظل هناك فراغ على شكل إيلا ظللت أتساءل دائمًا كيف كان سيبدو وجهها لو كبرت معي هل كانت ستضحك مثلي هل كانت ستشيخ بالشعر الفضي ذاته مرت ثمانية وستون سنة حتى جاء اليوم الذي سافرت
فيه لزيارة حفيدتي بعد قبولها في جامعة بعيدة وفي صباح هادئ بينما كانت في محاضراتها قررت أن أتمشى قليلًا ودخلت مقهى صغيرًا تعبق فيه رائحة القهوة الطازجة والمعجنات الدافئة وقفت في الصف شاردة الذهن حين سمعت صوتًا خلف المنضدة جعل قلبي يتوقف كان صوتي تمامًا بنفس النبرة والهدوء والارتعاش الخفيف التفت ببطء ورأيتها امرأة في عمري تقريبًا تلتقط فنجانها وعندما استدارت نحوي شعرت أن الأرض تميد بي نفس العينين نفس تقاطيع الوجه نفس الخط الرفيع عند الحاجب الأيسر الذي لطالما تساءلت عن سببه شعرت أنني أنظر إلى مرآة خرجت منها صورتي إلى الواقع تقدمت بخطوات مترددة ولمست كتفها برفق فالتفتت وعيناها متسعتان بالذهول وكأنها رأت شبحًا يشبهها تمامًا همست بصوت مبحوح إيلا فتجمدت في مكانها وسقط الفنجان من يدها وهمست باسمي الاسم الذي لم ينادني به أحد منذ الطفولة جلسنا لساعات لا نكاد نصدق ما يحدث أخبرتني أنها لا تتذكر الكثير عن يوم اختفائها
سوى أن رجلاً اقترب منها قرب الغابة وعرض عليها أن يريها جروًا صغيرًا ثم استيقظت في مكان بعيد مع زوجين لم ينجبا أطفالًا قالا لها إنها ابنتهما التي تعرضت لحادث وفقدت ذاكرتها عاشت حياتها تحت اسم آخر وصدقت القصة لأنها كانت صغيرة وخائفة ولم يكن لديها ما يثبت عكس ذلك لم تكن هناك جثة كما قيل لنا بل ربما أخطأت الشرطة أو أراد أحدهم إغلاق القضية بأي طريقة كبرَت وهي تشعر دائمًا أن جزءًا منها مفقود وأن وجهها في المرآة لا يخبر الحكاية كاملة وحين رأتني ذلك الصباح شعرت بأن الزمن انشق ليكشف الحقيقة أمضينا الأيام التالية نتبادل الذكريات القليلة التي بقيت في ذاكرتينا نضحك ونبكي ونقارن بين تفاصيل حياتينا المتشابهة والمختلفة أخبرت عائلتي فجاءوا ليروا المعجزة بأعينهم كان الأمر أشبه بعودة روح ضائعة إلى جسدها بعد عقود طويلة ومع أن السنوات التي ضاعت لا يمكن استرجاعها فإن وجودها أمامي أعاد ترتيب قلبي من جديد