رسالة من أبي

لمحة نيوز

أدركت أن الحقيقة قد تُدفن طويلًا لكنها لا تموت وأن الحب الذي يجمع التوأمين لا تقطعه المسافات ولا الأكاذيب ولا حتى الزمن وفي تلك الليلة قبل أن نفترق مؤقتًا احتضنتها بقوة وشعرت أخيرًا أن نصفي عاد إليّ وأن الطفلة ذات الخمس سنوات التي بكت في صمت داخل غرفتها يمكنها الآن أن تغمض عينيها مطمئنة لأن أختها لم تختفِ إلى الأبد بل كانت تسير في العالم نفسه تبحث عنها كما كنت أبحث عنها أنا طوال تلك السنين

بعد ذلك اللقاء الذي قلب حياتي رأسًا على عقب لم أعد المرأة نفسها التي دخلت ذلك المقهى في صباح عادي ظننته سيمر بلا أثر عدت إلى الفندق وأنا أشعر أنني أعيش حلمًا طويلًا أخشى أن أستيقظ منه في أي لحظة واتصلت بابنتي بصوت مرتعش وقلت لها إن عليها أن تأتي فورًا لأن هناك أمرًا لا يُصدَّق يجب أن تراه بعينيها وعندما جاءت ورأتني أقف بجوار إيلا شهقت ووضعت يدها على فمها وكأنها ترى نسختين مني إحداهما خرجت من الماضي مباشرة جلسنا جميعًا في الغرفة نتأمل بعضنا ونحاول أن نفهم

كيف يمكن لقصة أُغلقت منذ ثمانية وستين عامًا أن تُفتح فجأة بهذه الطريقة بدأت أنا وإيلا نسترجع شذرات صغيرة من طفولتنا كأن الذاكرة كانت تنتظر هذا اللقاء لتستيقظ تذكرتُ كيف كنا نختبئ خلف الأريكة ونضحك حين ينادينا أبي وتذكرت هي ظل شجرة كبيرة قرب بيتنا القديم وصوت امرأة تغني في المطبخ ربما كانت أمنا أو جدتنا لم تكن الذكريات كاملة لكنها كانت كافية لتؤكد أننا لم نتوهم الرابط بيننا قررنا في الأيام التالية أن نبحث عن الحقيقة كاملة لا مجرد مشاعر فذهبنا إلى البلدة التي نشأنا فيها ودخلنا قسم الشرطة ذاته الذي أعلن وفاة إيلا قبل عقود استقبلنا ضابط شاب بدهشة واضحة حين سمع القصة لكن ملفات قديمة أُخرجت من الأرشيف المغبر ومعها بدأت الخيوط تتضح تبين أن الجثة التي عُثر عليها يومها لم تكن مؤكدة الهوية بشكل قاطع وأن وسائل التعرف في ذلك الزمن لم تكن دقيقة كما هي اليوم وأن عائلتي تقبلت الخبر تحت وطأة الصدمة دون فحوص إضافية أما عن اختفاء طفلة من الغابة فقد وُجد في السجلات
بلاغ عن رجل مشتبه به كان يتنقل بين البلدات ويقترب من الأطفال ثم اختفى أثره بعد سنوات شعرت بقشعريرة تسري في ظهري وأنا أقرأ تلك السطور وأدركت أن حياتي وحياة أختي سارتا في مسارين مختلفين بسبب لحظة واحدة عابرة أخبرتني إيلا أنها حين كبرت قليلًا بدأت تشك في قصة فقدان الذاكرة لأن ملامحها لم تشبه الزوجين اللذين ربّياها وكانت تسأل أحيانًا عن صورها الصغيرة فيتهربان من الإجابة لكنها لم تجد دليلًا ولم يكن لديها سوى إحساس داخلي بأنها تنتمي إلى مكان آخر وعاشت عمرها تحمل هذا السؤال دون جواب وأنا عشت عمري أحمل سؤالًا آخر عن أخت رحلت بلا قبر واضح والآن ها نحن نجلس جنبًا إلى جنب نملأ الفراغ الذي خلّفه الغياب الطويل عدنا معًا إلى بيت طفولتنا الذي أصبح ملكًا لعائلة أخرى ووقفنا أمام الغابة التي بدأت منها الحكاية أمسكت بيدها وشعرت أن الطفلتين اللتين كنّاهما لا تزالان هناك تركضان خلف الكرة الحمراء وتضحكان بلا خوف بكينا طويلًا ليس حزنًا فقط بل تحررًا من ثقل سنوات ظنناها
نهائية ثم بدأنا نفكر في السنوات المقبلة لا الماضية قررنا أن نقضي ما تبقى من أعمارنا نعوض ما فات سافرت هي لتزور عائلتي وتعرّفت إلى أحفادي الذين التفوا حولها بدهشة وفرح وصاروا ينادونها الجدة الثانية وكنت أزور بيتها وأتعرف إلى حياتها وأصدقاءها وكل تفصيلة صنعت شخصيتها المختلفة عني والمشابهة لي في آن واحد أدركنا أننا لسنا نسختين متطابقتين كما ظننت في المقهى بل روحان تشكلتا بظروف مختلفة لكن جذرهما واحد وفي إحدى الأمسيات ونحن نجلس على شرفتها نراقب غروب الشمس قالت لي إنها كانت طوال حياتها تشعر بنقص لا تفسير له كأن هناك صوتًا يناديها من بعيد والآن فقط فهمت أن الصوت كان صوتي وأن الرابط بيننا لم ينقطع يومًا مهما حاول الزمن طمسه ابتسمت وأنا أستمع إليها وشعرت أن الدائرة اكتملت أخيرًا وأن قصة بدأت بفقدان وانتهت بلقاء علمتني أن الحقيقة قد تتأخر لكنها تجد طريقها دائمًا وأن الحب بين توأمين لا يموت بل ينتظر اللحظة المناسبة ليعود إلى الضوء مهما طال الظلام

تم نسخ الرابط